مــحــمـو د د ر و يش

بعد خمسة عشر عاما على رحيله إلياس مرقص بين التأسي واستشراف للمستقبل

نضال درويش
hidr-ka@scs-net.org
الحوار المتمدن - العدد: 1477 - 2006 / 3 / 2

يعلمنا تاريخ الفلسفة، أن الفكر الفلسفي، ليس واحدا من تلك الوقائع الثابتة، التي إذا أمكن الاهتداء إليها مرة، قيض لها أن تستمر في الوجود أبدا. فهذا الفكر يوضع باستمرار موضع الاستفهام من جديد ، و هو باستمرار عرضة لخطر الضياع في صيغ تريد تثبيته ، فلا تفلح إلا في خيانته ذلك لأن الفلسفة تنشأ و تتطور و تنبعث في الجدل ، فهي لا تستطيع أن تعيد النظر في مسائل قديمة بنفس العبارات ، فقوام الفلسفة السعي الدؤوب وراء الحقيقة ، و ذلك العمل و الجهاد المستمر ضد أوثانها و حقائقها المزعومة .
فمنذ الحضارات اليونانية القديمة غدت الثقافة الفلسفية و تاريخها ضروريان لكل فرديريد أ يلج مجال التفلسف . و تراجع هاجس الفلاسفة في أن تكون أفكارهم بداية ليس قبلها بداية ، لصالح التموضع ضمن تطور الأفكار التي يتشكل منها تاريخ الفلسفة .
فالإنسان لا يكون فيلسوفا إلا من حيث يفكر في القضايا المطروحة عليه و على عصره و مجتمعه ، تكون ركيزة للعودة إلى غيره من الفلاسفة ، و البحث من خلال عناصر فلسفاتهم عن كل ما يمكن أن يساعده على التفكير في القضايا التي يكون قد اختار أن يجعل منها موضوعا لبحثه . و ذلك لمحاولة معالجتها و الإجابة عن استفهاماتها ، هذه السمة هي التي تمنح الثقافة الفلسفية حركية و تضفي عليها قيمة عملية .
فعلى الرغم من هاجس الفلسفة الدائم للإفلات من التاريخ ، من الديالكتيك ، من الحدث في الواقع ، إلا أنها نادرا ما تتجدد و تنفي ذاتها باستمرار إلا من خلال تأملها لقضايا الإنسان المعاصرة لها .
فليس خارج هذا الإطار تعامل إلياس مرقص ، مع هذا النمط من التفكير ، مستلهما بذلك كل الفلاسفة ، من أجل الإسهام في تأسيس العقلانية في الفكر العربي ، و ذلك لتجاوز واقع الفوات و التأخر التاريخي ، منطلقه أن لا أحد خارج النظر ، خارج المعرفة ، خارج النقد .
من هنا يوجه القارئ في فكر إلياس مرقص ، كما يقول جاد الكريم الجباعي ، عناصر عقلانية مستمدة من الفلسفة اليونانية ، و العربية – الإسلامية ، و الأوروبية الوسيطة و الحديثة و المعاصرة ، و توجهه بشكل خاص عناصر ديكارتيه ، و كنطية ، وهيغلية ، و ماركسية ، لكنها بوصفها كذلك ، لا تعدو كونها عناصر مختلفة و متخالفة . أصالته و تفردّه و ذاتيته ( الاستقلال مع الفكر ، أو الفكر الحر ، المستقل الذاتية هو الحرية ) ، تكمن في موجهة هذه العناصر بعضها ببعض ، و محاكمة كل منها في محكمة الآخرين و في محكمة الواقع و التاريخ ، أي محكمة العقل ، و إعادة بنائها و دمجها في منظومة فكرية بنسيج عقلي متماسك و متلاحم منهجا و رؤية ، و ليس ذلك فحسب ، بل تكمن أصالته و تفردّه و ذاتيته في إطلاله على المناطق المختلفة التي يقيمها المنطق ( الرياضيات ، الفيزياء ، الاقتصاد و التاريخ و علم الاجتماع .......) من خلال ثقافته الموسوعية و سعيه الدائب إلى " تثقيف عقله " و التقدم باستمرار في معرفة الحقيقة تبعا للمنهج الذي اتخذه لنفسه في الفكر و العمل ، و جعل كل واحد من هذه المناطق ( جمع منطق ) شاهدا على الآخرين من أجل معرفة أوثق بالمنطق العقلي الكليّ الشامل ، و الحكم لكافة المناطق بوصفها أجزاءه ، ففي نظره " المنطق العقلي العام ، الديالكتيك ، هو الماهية الحقيقية لسائر المناطق و إلا فلا عقل و لا منطق " .
فالفلسفة بالنسبة له تعني ، أولا ، نظرية المعرفة " التي هي شيء واحد من كلمات ثلاث " المنطق ، الجدل ، الغنوزيولوجيا ( نظرية المعرفة ) المادية ( لينين ) . و كل المادية الجدلية .....إلخ بحسابات مرقص قبيحة بدون الثالوث الآنف ، فالأيديولوجية الماركسية ليست ، بوصفها كذلك ، حاملة الحق و الحقيقة ، و الأيديولوجيا البرجوازية حاملة بالضرورة الباطل ( الخطأ) . و كمعرفة الماركسية تصيب و تخطئ و حين تترك أساسها ، أي الثالوث ( منطق ، جدل ، نظرية معرفة ) فهي تخطئ على الطالع و النازل ، وحين نمسك هذا الأساس يمكن أن نخطئ فرعيا ، و أن نصحح الخطأ بمبدأ المراجعة الأزلي ، فالأساس صحيح ، هناك خطأ لأن هناك معرفة ، فالخطأ ليس خارج مملكة الفكر .
و تعني الفلسفة، ثانيا، بالنسبة لمرقص ، تصورٌ للإنسان و تاريخه و مصائره ، و ثمة عند كل الفلاسفة تصور للإنسان و التاريخ و مصائره . و لكن هناك تصور و تصور : فتصور يساهم في " تأبيد " القائم و يبرره و يعيد إنتاجه بحكم مصالحه من ذلك .
من هنا يمكن القول بأن الكتابة الفلسفية العربية بعد أن كانت صدى باهتا و من مواقع متأخرة و مفوته و تابعة للخطاب الفلسفي و للمدارس و المذاهب الفلسفية الغربية ، شهدت مع إلياس مرقص و عبد الله العروي و محمد أركون ....تحولا و انعطافا ، و ذلك بالسعي الدائب و المنفتح ، إلى إعادة الخلق و الابتكار ، و بعدة فلسفية رفيعة ، في ضوء شروط و متطلبات اللحظة العربية ، محاولين بذلك فتح المجال أمام تكوين هوية فلسفية تبتكر عقلانيتها التي تصنع من خلالها حقيقتها ، فتتغير بذلك العلاقة بينها و بين الغير ، و تصنع بذلك استقلاليتها ، أي صناعة هذا الاستقلال مرتبطة بالعلاقة الجدلية بين النظر و اللحظة .
من هنا كان وسواس إلياس مرقص من أجل التأصيل النظري و إصلاح الفلسفة العربية التي كان يعتبرها الخطوة الأولى و البدوة الأساس التي تشكل العتلة لتجاوز التأخر و الشقاء العربي.
و المتتبع لنتاج مرقص الفكري يمكن أن يلاحظ بأنه بدأ سياسيا و انتهى فيلسوفا بالمعنى الآنف ، و علاقته بنتاج عبد الله العروي ( الأيديولوجيا العربية المعاصرة ، العرب و الفكر التاريخي ) من أهم العوامل التي أسهمت بهذه الانعطافة .
ففي المرحلة الأولى قبل 1970 حيث انحصر جلّ نتاجه في قراءة الماركسية على ضوء حاجات الواقع العربي , وتبرز بذلك مواقفه من اجل الوحدة و الديمقراطية والتقدم ــــ وانتقد بذلك الأيديولوجيا القومية التقليدية و الرومانسية و ذلك من أجل إعادة تأسيس المنظومة القومية ، و بلورة وعي وحدوي ديمقراطي ، من خلال منهجية النقد و التفنيد لنصوص و مواقف الآخرين ، و يضع بالنتيجة مبادئه و مواقفه المضادة و المغايرة ، هذا ما فله مثلا مع مؤلفات ساطع الحصري .
و انتقد أيضا الماركسية الستالينية و نموذجها العربي ، و تحديدا تأويلها الاقتصادوي للماركسية ، و تمذهبها و تمركسها أي تخندقها ، و تحويلها ماركس و إنجلز و لينين إلى آلهة، فيفقد بذلك كلُ منهم صفته و هويته كعالم و مناضل ، بإبعاد الاشتراط البشري عنه . و يفقد هذا النموذج كل إمكانيات التشخيص و الاستشراف . و كان نقد ، مرقص ، هذا محاولة في سبيل تبيئة مفاهيم الماركسية في المناخ العربي ، و إبعاد الصنمية عن أطروحاتها الرئيسية ، لتساهم بشكل مستمر في مقاربة جدل الواقع و تشخيصه من أجل استشراف المستقبل ، و لعل الترجمات العديدة التي قام بها للعديد من النصوص الفلسفية الماركسية تدل بصورة مباشرة على جهوده الهامة في باب تأصيل النظر الفلسفي في الفكر العربي المعاصر .
أما المرحلة الثانية حيث انتقل إلى موقع ثان ، يمكن أن نختزله في صيغة العقلانية الحديثة و الجدل آنتي – وضعوية ، حيث تركزت هذه المرحلة على إعادة قراءة الماركسية في ضوء الفكر الإنساني ، وقامت بالتالي على قراءة هذا الفكر قراءة فلسفية تُبرز خطوطه و مساراته و تلاوينه ، و تراه في ضوء الراهن الإنساني ، و خاصة منه الواقع العربي – الفكري و العملي .
أي إنه جمع بشكل خلاق و متناغم و متسق بين النقد السياسي و النقد الفكري ، مع حضور المضمون الأيديولوجي في نقده ، و في مرحلة النضج الفكري و تعمقه و تجذره ، كان النقد السياسوي و الأيديولوجي يتراجعان و يخضعان للمراقة العقلانية و المنهجية ، ليظهر التوازن بين هذه المستويات ( الفكري – السياسي – الأيديولوجي ) بحكم منطقها الداخلي و الضمني المشترك ، و هو الديالكتيك و النزوع الأصيل إلى ربط الفكر بالواقع .
فالفكر عنده ان صعودا و ارتقاء ، و دائما الصعود على هذا المستوى هو نزول إلى مستوى الجذر و الأساسات ، و إلى معقولية الواقع ، و التأسيس على مبادئ قابلة للبسط و الإنماء في جميع الاتجاهات و إلى ما لا نهاية .
على هذا " فلا هو الفيلسوف المنقطع إلى التأمل يحل الواقع في الفكر المجرد ، و لا هو ذلك المتحزب المتمذهب المنصرف إلى " النضال " يحل الواقع في الأيديولوجيا " ، حيث من الخطأ أن نتصور الفلسفة شيئا ما يحلق في الأعالي و ليس قائما في الأساس مع الإنسان ، مع العمل و المعرفة . فأي فلسفة دون قضايا حية تعالجها تبقى جوفاء ، هامشية ، تشد إلى الوراء ، أي ( الفلسفة للفلسفة و حسب ) للتأمل فقط دون أي مسعى تغييري ، و الفلسفة الحيّة القابلة للتطور المستمر ، يجب أن تكون تفسيرية / تغييرية ، و من هنا نجد عند إلياس مرقص أن الحقيقة السياسية بلا جذرها الفلسفي ، بوصفها الحقيقة الواقعية ، هي باطلة ، و تقود إلى الاستبداد .
بالتالي كان في الفكر و السياسة ، بمعناها الأعمق و الأشمل ، تجسيدا ، على نحو نادر المثال ، لوحدة الفكر والعمل ببعديهما : الاجتماعي – السياسي و الأخلاقي ، مؤسسا بذلك مع عدد من المفكرين العرب لمشروع عقلنة المجتمع و تحديثه .
منطلقه الأساسي : وعي الذات من أجل وعي الواقع ، و استقلال الوجدان و جهاد المعرفة ، و طرح المسائل و السعي إلى الإجابة عليها ، مؤكدا على خيار الجذرية و الراديكالية ، حيث لا فائدة من الذهاب إلى فروع و حقول من دون الأصول و الأساسات ، و لا سبيل إلى تحقيق الاتصال و الاندماج بين الفكر العربي و الشعب دون التجرد و الاستقلال ( الذاتية بالمعنى الخلاق ) ، مؤكدا أن الفكر لا يصنع التاريخ ، و لكن ليس من تاريخ ممكن من دون الفكر الذي يعي أنه فكر .
أما في الواقع العربي الذي يترجم فيه هذا الواقع عن نفسه ببؤس في الفكر ، أي أن الداء لم يعد محصورا بالظواهر المطلوب تغييرها بل طال أداة هذا التغيير و عتلته بالذات ، بالتلازم مع تربع الرأسمالية بصورتها الطرفية المرتكزة على العلاقات الكونية و العالمية الاستقطابية ، التي تترك مرتسمات أكثر قبحا على الواقع الاجتماعي ، و يتجلى الفصام الثقافي بأسوأ صوره ، حيث نرى الطائفية في إهاب القومية ، التقليدية في ثنايا الماركسية ، الماضوية في أساس الاشتراكية ، المعتقد الديني و القبليات في قناع الإلحاد و الديالكتيك .
لذلك فالفكر العربي تحت الهيمنة ، أي أنه قلما يكون فكرا ،هذا ما أكده إلياس مرقص ، لذا فهو بعيد عن الواقع و الشعب ، و بسبب من طرح القضية بهذه المنهجية ، دخل إلياس مرقص في الموضوع ، في الإشكال ، في الراهن ، في منطق و عقل الواقع ، بإيمانه بشيء اسمه المعرفة ، بهدف اسمه الحقيقة ، بتوجه و مسيرة هما سعي وراء الحقيقة ، بل جهاد في النفس و العقل من أجل الحق ( الحقيقة ) . لحظة البدء هذه تبدأ على صعيد الفكر و الروح ، هذا هو الصفر حامل اللانهاية ، الصحيفة البيضاء بتعبير فرانسيس بيكون ، " أنا أفكر " بدوة ديكارت ، فكل الفلاسفة و العلماء الفاتحين بدأوا من هذا " الصفر " ، و ذلك على عكس عديد من المثقفين و المفكرين العرب الذين يلهثون وراء النتائج دون جذورها ، فيجترون المقولات دون فعل ، لأنهم يريدون " معرفة " و علما دون جهاد ، و كونا دون تكون ، و مجتمعا دون اجتماع ، و وحدة دون تعدد ، و هوية دون اختلاف .......
و إن العمل من أجل مشروع إعادة تأسيس العقلانية في الفكر العربي و إعادة بناء الوعي العربي و الارتقاء به من حالة التأخر و الفوات و الشقاء إلى مستوى العصر ، هو عمل و فكر في المبادئ و الأساسيات التي يجب أن تكون موضع نظر و مناظرة بين المهتمين العرب ، لأن كل ما يأتي بعد هذه البداية هو تابع و لاحق ، ، و هذا تأكيد لقول عبد الله العروي " بأنه لكل بداية بداية " من هنا كان الحقل المعرفي الذي يتحرك فيه الفكر العربي و الذي يتكون من نوع واحد و " منسجم " من " المادة المعرفية " و بالتالي من الجهاز التفكيري : ( مفاهيم ، تصورات ، منطلقات ، منهج ، رؤية .....المهيمن عليه مضمون أيديولوجي ) هو موضوع بحث و نقد لـ إلياس مرقص .
و هذه أبرز التمايزات التي يتميز بها نتاجه الفكري ، لأنه بالإضافة إلى اهتمامه يـ " الأطروحات " التي ينتجها الفكر العربي ، توجه إلى منهجية التفكير التي تبنت هذه الأطروحات ، أي " الفعل العقلي " اللاشعوري الذي يؤسسها . لأنه يعي تماما بأن نقد الأطروحات مع إغفال الأساس المعرفي الذي تقوم عليه هو نقد أيديولوجي للأيديولوجيا ، و بالتالي لا يمكن أن ينتج سوى أيديولوجيا أكثر ارتكاسا ، تعيد إنتاج تظاهرات الواقع ، أما نقد منهجية الإنتاج النظري أي " الفعل العقلي " هو وحده الذي يمكن أن يكتسي المشروعية و الموضوعية العلمية التي يمكن من خلالها تجاوز المناطحة العنيدة و التخبط المجاني في صراعات قروسطية ، و مساهماته النظرية في هذا الموضوع التي كانت نتاج جهاده المستمر ، خير دليل على هذه المنهجية المتمايزة في المقاربة و البحث ، التي انخرط فيها ناقدا بالمعنى الخلاق للكلمة ، أي ، أيضا ، مساهمته في التأسيس لمشروع إصلاح الفلسفة بإهابها العربي التي لا يمكن الانطلاق به إلا من خلال قطيعة معرفية مع الوعي العربي السائد ، و زحزحته من مواقعه الذي تخندق به ، و ذلك بتحقيق جملة من الانتقالات :

1- الانتقال من الوجودية إلى الفكرية
من عنصر الوجود إلى عنصر الفكر :

في ساحة الفكر العربي يجب خوض هذه المعركة : معركة الفكر و المفهوم ضد أشباح الحس و الوجود و الجوهر ، الآتية إلينا من ماض سحيق ، و من حاضر متأخر و مفوّت ، في إيطار العالمية البربرية . هذا التوليف التاريخي الاستثنائي الذي كان عاملا أساسيا في شقاء الفكر و تحوله إلى حالة يصفها إلياس مرقص بأنها " الفقه " حيث يخيل إليه – هذا الفكر – بأنه يرى العالم في أفكاره ، و منذ ذلك الحين يخيل إليه بأن أفكاره هي الواقع . و إذا ما ناقض الواقع الفكرة فإن الواقع هو الذي يوضع في خانة اللاعقل و الخطأ و الضلال . فتدعي كلماته معرفة كل شيء و تفسير كل شيء ، و أنها تحيل إلى ظواهر فعلية ، و هي مفرطة في الواقعية ، و تجسدت و اكتسبت الصفة المادية و حلت محل الأشياء ، التي كانت وظيفتها الدلالة عليها ، واتخذت الشكل الطيفي ، الشبيه بالحي ، حيث تفرض نفسها كوقائع و تخفي الأشياء الواقعية ، و خيل إليه أيضا بأن المقولات الكبرى و السائدة : طبيعة ، روح ، اشتراكية ، مادة ، وعي ، رأسمالية ، ....، هي كلمات معلومة و بديهية و اكتسبت فضيلة وضعتها خارج الزمان ، و تحولت إلى أصنام و آلهة تتقاتل بواسطة بشر بديلين . ( و نسينا التحذير اليوناني العريق : احذروا ، الكلمات السائدة أصعب الكلمات ، التي ليست أشياء – أصنام – آلهة ) فهو – الفكر العربي – غارق بالنتيجة تحت هاجس الماهية الجوهرية ، المادية أو الروحية . و مذهبه و تصوره للواقع على أنه هو عالم الماهيات الجوهرية ، أي أنه يشتغل بعنصر الجوهر ، الماهية ، مادة ، كتلة ، كم ، و هذا يحيل إلى استنفاد الواقع بمقولة الوجود الفيزيقية ، و يتحول الواقع إلى ميكانيكيا أشياء ، و العالم إلى " موضوع " مجرد ، مادة للمعالجة بأيدي الذاتوية الثورية ، التي تعتقد أنها مالكة القوانين و حائزة الآلية ، فيتصور هذا الفكر أن المفردات اللغوية هي جواهر مفردة موجودة تحت و ليس فوق ، فهو بذلك لا يتبع الضلال الذي أسسه أفلاطون ( المثالية الفلسفية ) بل غارق في ماقبل أفلاطون ، في اللافكرية ، في عالم الأشباح ، في الفكر الرمزي – الشيئي و الخليط المدرحي ( مادة – روح ) . إنه دون الفهم ، و دون الرؤية : فهو يرى مُثلُه مباشرة في الواقع ، إذن هو لا يرى .
و بكلام آخر فإن الوعي العربي السائد الذي يرفع لواء الوجودية ضد الفكر ، الـ " أنا موجود " ضد الـ " أنا أفكر " ، يعرف أصل الفكر و يؤكد دوره و أهميته و لكن لا يعرف طريقة ذهابه إلى الواقع . فيبدأ ، و يعتقد أنه يبدأ ، من الواقع فينتهي به الأمر إلى تبخيره ( تبديده ) في مجردة أثيرية يسميها " القانون " أو " الجوهر . حيث تراوده الحاجة إلى إيجاد واقع عياني إزاء نظريات الفهم المجردة ، نظريات الفهم الذي لا يعلم ، أو يستطيع المضي من عمومياته غير المحددة إلى التحديد ، و إلى الخاص – الحاجة ، إلى إحلال هذا الواقع محل إمكانيات محض ، و إلى برهنة كل الأشياء من دون الخروج من ميدان المنتهي ، و من الطريقة القابلة لأن تطبق عليه ، قد أنتجت التجربيوية – الدوغمائية ، الذي يؤمن بتعاريفه و فرضياته و بواقعية محتواهن على تمثيلاتهن ، و يفترض معه بلوغ : النفس ، العالم ، الله . و ينطلق من مبدأ: ألا و هو أن من بين تأكيدين متعارضين اثنين أحدهما حق بالضرورة ،الآخر باطل بالضرورة . فوثنية الروح تقيم شيئية المعرفة .

و قضية إلياس مرقص لم تكن مع هذا المناخ بل ضده ، و ضد هذا الفقه الذي يتصور أنه فكر .
انطلاقته بأن الفكر الحقيقي يبدأ من " الصفر " و كل ما عداه تابع ...ناتج ، فيبدأ بالمقولات الأكثر أساسية : الروح ، الوجدان ، الوعي . التي يقابلها، في المنطق، مقولات: الكائن، الواقع، الطبيعة ( بما فيها المجتمع ). ركيزته في ذلك " الصحيفة البيضاء " الـ " أنا أفكر " " الرأس " و مقابله العالم . مبدؤه التجرد المطلق الذي يؤسس طريق التجريد، هذا الذي يعني أنه تجريد وحدٌّ و مفهوم . هذه بدايته في تأسيس معرفة تريد إرشاد العمل .

فأكد وراء لينين ، بأنه يجب رفع لواء الاشتراط الفلسفي الأول ، و هو الوعي بأننا نعمل بالمفاهيم ، كل البشر يعملون بالمفاهيم . هذه النقطة يجب أن ترفع إلى وعي كامل و صارم . و الفكر يسقط إذا لم يبدأ بهذا الاشتراط. فحين أحذف " المفهوم " حين أتعامل مع الكلمات كأنها أشياء ، أو كأنها كلمات دون الإشارة إلى أنها كلمات ، فإن الذي أحذفه هو الفكر ، أحذف الفكر مبدأ لعملية المعرفة التي هي معرفة الواقع .

فالكلمات رموز بدائل عن الفكر أو المفاهيم، إنها ألفاظ، حدود. إنها " مفردات " و المفردة اللغوية ليست كائنا مفردا بل " عكسه " إنها تعبر عن كلي عام ، " في اللغة لا يوجد إلا الكلي " ( أرسطو ) . فالكلمة تعبر عن و معنى ، و بما أنها ليست شيئا كائنا مفردا ، لذا يكون لها أكثر من معنى ، و اتجاه و قصد ، فالمعنى المحدد محكوم بعلاقة الكلمة مع الكلمات ، أو لنقل مع المقابلات أو التعارضات . المعنى المحدد يحدده سياق محدد ، و هذا السياق لا يستنفد اتجاهات الكلمة التي يمكن أن تتخذ معنى مغايرا في سياق مغاير ، ثمة فرق و فروق بين لغة و لغة . و عليه تكون المقابلة الكبرى هي الفكر/ الواقع بتوسط اللغة و كلماتها ...فالقضية أولا بحسب إلياس مرقص قضية لغوية – فلسفية ، فيجب الذهاب من الكلمات إلى المفاهيم ، و من اللغة إلى الفكر . و هذا يؤسس للانتقال من الشيئية ، من الوثنية في الفكر و المعرفة ، من عنصر : الجوهر ، الماهية ، المادة ، الكتلة ، الكم ، إلى العنصر الأساسي و الرئيسي : العلاقة ، العقل ، الشكل ، الروح . إلى الواقع كجملة و " كل " حي، و العالم ذات و حياة . بالتالي تُحيل فكرة الواقع الصحيحة إلى منطق، إلى عقل، هو منطق و عقل الواقع، إلى مجتمع وعالم و إنتاج و طبيعة و تاريخ، من دون ذلك لا تاريخ و لا تقدم .
إن الواقع و كل معرفة الواقع تسقط إذا ما سمح لفكرة " المادة " أو ما شابهها أن تبسط نفسها على فكرة " الواقع " الذي لا ينحل في الواقع الفيزيقي .
أما مقولة المادة التي تشيأت و تحولت إلى : طاولة ، كتاب ....إلخ ، في الوعي العربي السائد، فهي مفهوم عالي التجريد " المادة ، كمادة ، محض إبداع من الفكر و تجريد خالص "(‘نجلز ) فهي تعني أن الواقع القائم بتمامه خارج الرأس، و لا يجوز أن تعطي أيّة مسلّمة أو مصادرة ضمنية، لا سيّما مسلّمة تلغي أو تخفّض المنطق في حرب علة " المثالية " باسم "مادية " ملتبسة و باطلة، و بالتالي يكف أن يكون الديالكتيك منطق المادة الداخلية و منطق الفكر، ويتحول إلى صفة مضافة إلى المادية من الخارج .

لأنه من دون فهم وحدة المثالي و الواقعي في علاقة الفكر / الواقع، و إمكان تحول أحدهما إلى الآخر، لا يمكن فهم الديالكتيك وقانونه الأساسي وحدة وصراع الأضداد . أي علم القوانين العامة لحركة الواقع و حركة الفكر، الذي هو الشكل الاجتماعي الضروري لحركة المادة، لأنه نتاج الدماغ، أي إنتاج المادة الواعية لذاتها، كما يقول ماركس، و الفكر انعكاس نوعي للواقع لأنه يتضمن بعض الانحرافات عن الواقع و بعض التبسيط له، و ذلك بسبب الفروق الضرورية الملازمة بين الذات الفاعلة العارفة وموضوع الفعل والمعرفة، لأننا لا نستطيع أ، نعكس الواقع المتحرك دون أن نقطع ما هو مستمر، وأن نميت ما هو حي، ودون أن نعزل ما لا يوجد إلا بانتمائه إلى الكل، ودون أن نترجم إلى مقياس ما هو كيفية، أي أننا بالتجريد نبتعد عن الموضوع، و لكن لكي نلم فيما بعد إلماما تاما . فالمجموع اللامتناهي للمفاهيم العامة و القوانين يعطي الملموس بتمامه، و إنجليز آتيا من هيغل ومن قيورباخ يعلن مبدأ المقاربة اللامتناهية، اقتراب الفكر إلى الوجود، فالفكر يستطيع أن ينشئ صورة أمينة عن العالم .

فالمعرفة إعادة إنتاج للواقع بالفكر، إنشاء وبناء لصورته بعملية المفاهيم، أي بتحويل مادة الحدس و التمثل إلى مفاهيم . و المقصود بالمعرفة، هو المعرفة النظرية، الفكر النظري، العلم، أي الفلسفة أو العلم، وأنّ هذا الفكر بحصر المعنى هو أحد أشكال تملك الإنسان للعالم ، لعالمه، الشكل النوعي المميز عن أشكال أخرى للتملك هي " الفن والدين والروح العملية " . أما الواقع فهو باق خارج الرأس على حاله كما كان قبل عملية فكره ومعرفته، ما دام الرأس يفعل فعلا نظريا . الفكر في المعرفة حركة، حركة الفكر هي انفكار الحركة الواقعية في رأس الإنسان . العياني المفكور، صورة الواقع الأخيرة، الأمينة، المترابطة والحيّة، هي حاصل بناء فكري، نهاية وغاية عملية صعود الفكر إلى الواقع، الذي هو العالم المادي المتمايز . هذا ما قاله ماركس في أهم ما كتبه عن الطريقة . هيغل و أفلاطون ينالان حقهما و التجريبية تنال حقها، يمكن القول : إن قمة النظر القديم أفلاطون و أرسطو و قمة النظر الحديث هيغل و ماركس .

ويتابع إلياس مرقص الخطّ، المسار، في رفع لواء المثالية وإعادة الاعتبار لها، فهي الفكرية والفكرانية والمثالية من خلال جهاده للتوفيق توفيقا خلاّقا وجوهريا بين المثالية والمادية في تركيب أعلى يكون نقدا للواقع، وفي الوقت نفسه تحقيقا للنقد أو للفكر. فالديالكتيك في نموه وتطوره التاريخي من هيراقليطس إلى هيغل و ماركس، يتماثل و يتهاوى مع العقلانية في كل نتاجه الفكري، وهذا ذروة العقلانية في فكره ورؤيته.
أي تبنيه لتصور، ولطريقة، هي في موقع النقيض من التجريبية-الدوغمائية، والوضعوية العلموية . المنتشرة عندنا والمهيمنة على الساحة الفكرية، و المزدهرة فوق أساس من الوجودية واللاعقل، والذي يضع " حجر الأساس " لتجاوز الاستنقاع الفكري الذي يتمايز به الوعي العربي السائد، والتأسيس لفكر ومعرفة جديرين لعمل تاريخي راهن وملح يحتاجه الوضع العربي بكل مساحاته .

2- الانتقال من " العقل السليم " إلى العقل

في مرحلة الاستنقاع والانتكاس والهزائم المتكررة والإشكاليات التي يعيشها المجتمع العربي بكل مساحاته، تصبح ملامح المستقبل أكثر قبحا وسوداوية. وانسداد كل أفق جديد ممكن أمام الخروج من هذه الأزمة التي تمس كل المساحات كما تمس الاستقرار الروحي و النفسي لمجتمع فقد كل عناصر توازنه. هذا الواقع المأزوم تاريخيا، ولد فكرا مأزوما، مأخوذا بأزمته باستمرار في خوض المعارك، بأسلحة الماضي، إنه فكر مسيّج برموز الماضي وطقوس، وموتاه، وبالتالي فهو خارج الزمن، خارج التاريخ، بحكم احتقاره المستمرّ، للحاضر لصالح المبالغة بشأن الماضي ( مفهوم العصر الذهبي ) أو ( المستقبل )، ويثابر على الخوض في نزعاته القديمة التي تملك رغبة عميقة في إنكار الإخفاق التاريخي، وتطمين الكرامة الذاتية المهددة بالفقدان، حيث يسقط على ذاته وتراثه محمودات ومثلنة أو كملنة . ويضل الاستقرار في نظرته التقديسية إلى ذاته وتراثه وتاريخه . ويدفع كل ذلك الإمعان في الخطأ والتشدد والتعصب والانغلاق والتطرف في اليقين بامتلاك الحقيقة .
وترتكز هذه العقلية أساسا على ثنائية ضدية حادة هي: نظام من الإيمان أو العقائد، ونظام من اللاإيمان واللاعقائد، وبكلمة أكثر وضوحا، فإن هذه العقلية ترتبط بشدة وصرامة بمجموعة من المبادئ والعقائد تخلع على مقولاتها صفة المعلومات الصحيحة والحقيقة المطلقة، وترفض بالشدة والصرامة نفسها مجموعة أخرى، وتعتبرها لاغية لا معنى لها، لذلك فهي تدخل في دائرة الممنوع التفكير فيه، أو المستحيل التفكير فيه، ومع مرور الزمن وتتابع الأجيال تتراكم هذه المساحات المعتمة وتتحول إلى هيئة لا مفكّر فيها، ويتشكل الخيال الجماعي من خلال هذه البنية المعرفية، ويسيطر على قطاعات واسعة من الناس، وتشكل قوة كبرى يصعب اختراقها ..وتفرض نوعا من " الحقائق السوسيولوجيا " التي تمنع ظهور الحقائق الحقيقية : التاريخية والعلمية أو الفلسفية .
وتمارس هذه العقلية، من خلال علاقتها بالواقع، دورها وظائفيا عن طريق الهضم والتمثل: أي أنها تعيد تأويل الوقائع " المنحرفة " أو المضادة لها لكي تصبح مطابقة لمبادئها الأساسية . كما أنها تمارس دورها عن طريق التقليص و التضييق : أي تجنب كل شيء أو كل منبه أو حافز يزعزع ويشكك بها، بحكم امتلاكها الحق و الحقيقة . ويقسر الواقع على إطاعة حقائقه، وإذا امتلك السلطة، يرهبه، يبتره، ويعذبه، ويرفض تعقده، وتنوعه، وصدفه، وعشوائيته، لأنها تفتح ثغرة فيه، وتكشف استبداده، وهذا حال الساحة السياسية عندنا . فهذا التعقيل لا يهدد النظريات والأيديولوجيات فقط، فهو عامل في حياتنا اليومية ، وأن لكل " عقله السليم " وباطله المبدئي، لا أحد خارج القاعدة البشرية والاشتراط البشري، فليس فقط دوغمائية الأشياء هي أساس هذه القاعدة العامة، بل العلوم نفسها تنتج هي أيضا " عقلها السليم الوثني " . فمن نظارة غاليله إلى المقرب اللاسلكي ، من العدسة المكبره إلى المجاهر الإلكترونية، رأينا انبثاق مجرات وينابيع موجات كهربائية سماوية، وثقوب سوداء، وخلية، وجزئية، وذرة، وشاردة ... كل واحد من هذه التجليات قلب رؤية الإنسان إلى العالم محولا عقلانية قديمة إلى تعقل محدود . هذا الضلال النابع من ضرورات المعرفة و العمل و الحياة .
ولكن هذا الضلال في تخفيض العقل إلى تعقل ( فرويد ) " العقل السليم " يأخذ في الساحة العربية حالات أكثر مرضية وهذانية، ويتجلى الابتعاد عن معقولية الواقع بأسوأ صوره، فينتصب فوق الوقائع ويصبح متفوقا عليها. فكلمة ( العقل ) يجب أن تحيل مباشرة إلى الواقع العام، إلى هذا المجموع خارج الرأس، فثمة للعالم عقل، معقولية، عقالة، ولذلك ثمة للإنسان عقل، وذهن الإنسان يصير عقلا بقدر ما يقترب من عقل الواقع، وهذا اعتراف مبدئي درءا لتطرف الذاتوية واستبدادها. وتأسيسا لعقلانية منفتحة عبر الحوار مع الخبرة، ومع العالم الخارجي بصورة أوسع، تفترض دائما، أن معرفتنا لم تكتمل وأن جديدا سيأتي لتعديلها. فكما يقول إلياس مرقص : إن تاريخ كل الفتوحات هو نقيض للعقل السليم بالعقل، سواء كان الناقض و المنقوض استعملا المصطلحات الآنفة الذكر أم لا .

من العمليات الصغيرة التي كانت قوام الانتقال الطويل من " قتل الإنسان والتهامه" إلى أسره واستعباده، من القطف والصيد إلى الزرع والتربية، إقامة الحضارات النهرية الكبرى، اختراع الكتابة، اختراع الدولاب،...اختراع الأبجدية...تجريدة فيتاغور...علم الهندسة...علم الميكانك ...عملية الخوارزمي...ابن حزم...ابن رشد ...كوبرنيك، لافوازي، آدم سميث ( الشغل المجرد ) إلخ . كلهم نقضوا " العقل السليم "بالعقل، المكتشف لعلاقات الدنيا ومعقولية الواقع. هذا يعني أن النضال ضد " العقل السليم " جزء من الجهد العقلاني الذي يسعى إلى ترجمة تعقيد الواقع، فالعقلانية هي في خدمة العامل و الحوار مع الواقع.
إن أبرز معاني العقل لغويا هو " الربط والحجر والنهي "، " يتجلى بهذه الدلالة العقل العملي " الذي " يعقل نفسه ويمنعها عن التصرف على مقتضى الطباع " فالعقل ضد الطبع، أي التصرف غير العشوائي المترابط، فالعقل طاقة ربطية علائقية تفيد شرطيا السلوك، وتحدد مجال الموضوعات عن طريق علاقاتها .." ز نلاحظ أن مفهوم العقل في اللغة العربية، وبالتالي في الفكر العربي، يرتبط أساس بالسلوك والأخلاق، أما في الثقافة اليونانية والأوروبية الحديثة والمعاصرة فيرتب " بإدراك الأسباب " أي المعرفة .
ففكرة العقل كما يرى إلياس مرقص، في أشكال لفظية وفكرية مختلفة، هي فكرة سيدة، أو الفكرة السيدة في تاريخ الفلسفة و العلم ( الفلسفة تنويعة كبيرة على العقل، سمفونية متناغمة ومتعارضة على لحن العقل ) .
هيراقليطس " اللوغوس" أو " العقل الكوني " ..أناكساجوراس" النوس " " العقل الذي ينظم كل شيء، وأنه العله لجميع الأشياء " أي العقل يحكم العالم، وفكرة" النوس" كانت وراء الثورة السقراطية، أي الفلسفة السقراطية، التي تأسست عليها فلسفة كل من أفلاطون وأرسطو، كان التصور اليوناني الأرسطي هو " إدراك الأسباب "، ديكارت " أنا أشك، أنا موجود " أعاد تأسيس العقلانية الحديثة وأرسى دعائمها، وبلغت أوجها مع سبينوزا بشكل يجعلها تستجيب ليس فقط للروح العملية ولمقتضيات التجربة، بل بصورة تجعلها تفلت من خطر الشك الذي زرعه فيها هيوم حينما طرح مشكلة السببية، مشكلة العقل ذاته .

بعد ذلك ظهرت الحاجة ليس فقط إلى تأكيد التطابق بين العقل ونظام الطبيعة، بل أيضا إلى المصالحة بين الحقيقة العلمية و الحقيقة الفلسفية وذلك إنقاذا لوحدة الحقيقة ووحدة العقل معا. هذه المهمة أراد كانط أن يضطلع بها من خلال سعيه إلى إعادة بناء العلاقة بين العقل ونظام الطبيعة على أساس العل في عصره، العلم الرياضي والطبيعي، إلى أن بلغت العقلانية الغربية أعلى قمتها مع هيغل قبل الماركسية: لقد أحل العقل محل التاريخ وأحل التاريخ محل العقل بأن " أعطى للتاريخ معنى وللعقل حركة"، فأصبح التطابق بين العقل ونظام الطبيعة لا مجرد مسألة منطقية كما كان الشأن من قبل، بل أصبح مسألة صيرورة ومصير، مسألة "واقع" يتحقق عبر التاريخ .

ويكشف العقل الهيغلي عن نفسه في ثلاث صور، هي ثلاث لحظات ضرورية في سيرورة تطور الفكر وتطور المعرفة الواعية ذاتها، والقادرة على تجاوز حدودها باستمرار، هذه السيرورة، هي بالأحرى، ديالكتيكية تسير وفق إقاع ثلاثي، إيجاب، سلب، تركيب، هذه الصور هي:
1. الوعي المباشر( استقلال الذات عن الموضوع، وحيادها إزاءه. إنها لحظة الإيجاب ).
2. الوعي الذاتي: وهو اتضاح حقيقة أن الموضوع هو الذات، إذن انهيار الاستقلال وهذه لحظة السلب أو النفي الأولى.
3. العقل: أي مرحلة اتحاد الموضوع مع الذات واختلافه عنها في آن، وهي لحظة التركيب أو نفي النفي، العقل هو قوة النفي، السلب، لا تاريخ ولا تقدم من دون نفي النفي الخلاق. لحظة التركيب التي تضع التلازم الضروري بين العقل والتاريخ. فالهيغلية بذل تكون قد دشنت مفهوما جديدا للعقلانية يتماثل مع الموضوعية و الواقعية، التاريخانية في إطار الكلية الشمولية الكونية: أي التفكير والعمل وفق المنهج الديالكتي. وتجلى العقل خالصا في المنطق، والمنطق الجدلي ونظرية المعرفة.

في الهيغلية العقل هو عقل الواقع، عقل الكون، وكذلك في الماركسية ذروة العقلانية الحديثة. ولكن تمايز الماركسية في استحالة الفصل بين المنهج الجدلي و الفلسفة والأيديولوجيا والمذهب الاقتصادي، ثمة تناغم وانسجام. فالمنهج الماركسي الديالكتيك ليس شيئا خارجا بالنسبة لموضوعه، بل هو ديالكتيك الموضوع ذاته، وهنا تكمن ثوريتها، فالثورية سمة الديالكتيك، قبل أن تكون سمة الأيديولوجيا والأشواق البشرية. من هنا وضعت الماركسية حدا لجميع التصورات عن الحقيقة المطلقة والأوضاع الاجتماعية الخالدة، فليس ثمة، بالنسبة إليها، شيء مطلق ومقدس ونهائي، أي العقل السليم منقوضا باستمرار.

مشروع الماركسية التاريخي يتلخص في تحقيق الفلسفة في العالم، في عقل العالم، وحذف استلاب الإنسان بكافة أشكاله المقدسة وغير المقدسة، حيث تنطلق جدلية العلاقة بين الوعي والوجود، وبين الذات و الموضوع ،ووحدتهما في الممارسة الحية ( البراكسيس ) لحظة التوسط الديالكتي بين الفكر والواقع أو لحظة التركيب ونفي النفي، نقطة انطلاق التاريخ وصيرورة العالم والمعرفة. فبدون العمل، العمل والإنتاج، شرط الوجود الإنساني، ليس ثمة فكر ولا حاجة لأي فكر، من هنا يتحدد لدى ماركس مفهوم العقل بمهوم العمل، والنشاط العملي، الممارسة( البراكسيس ) فاعلية الإنسان الحيّة والهادفة.أي يمكن القول : إن ماركس قد صاغ مفهوما جديدا للعقل أو الفكر هو: العقل-العمل، وأنشأ بالتالي مفهوما جديدا للعقلانية، لأنها، أي العقلانية، تستمد معناها، ومقوماتها، شكلها ومضمونها، من المعنى الذي نعطيه للعقل.

وإلياس مرقص شأنه شأن، الفلاسفة العقلانيين، عارض ونقض "العقل السليم" بالعقل، ولكي نعمل على تأسيس العقلانية في الفكر العربي، يقتضي أولا: حسب مرقص، دراسة لمقولة " العقل" أو " عقل" من دون الـ التعريف، وإبراز مقولة الفكر وتوابعها ولا سيما " المفهوم " ومقولة " الشكل"، والدخول في نقد الكلام وعلم الكلام ضد حبّ الكلام ووصف الكلام، ففي نظره: للعقل معارضات كثيرة، الكلمة "عقل" تفهم وتحدد بمعارضاتها، بعلاقاتها في السياق، ولكن السياق الأهم هو المعارضة، فثمة العقل إزاء الحس أو التجربة أو الخبرة، وإزاء التجربة العلمية التي هي امتداد مباشر للعقل وسلاح للفكر، وثمة العقل إزاء الشعور والشعر والعاطفة. العقل مع الفكر مع المنطق والرياضة. العقل إزاء "الخيال "، العقل هو نفسه خيال لكن ليس الخيال الحسي العجائبي الخرافي، بل هو الخيال مكتشف علاقات الأشياء، عقل الكون.
ولكن العقل إزاء الشعور والشعر والعاطفة والخيال والحس.....إلخ لا يعني طرد هؤلاء وإقصائهم، بل يعني إقامة معارضات محددة مفهومة، إنه جلاء أمور الروح، أمور العمل والتملّك. أي أن العلاقة بالعقل ليست شفافة إلى الحد الذي يتوهم العقلانيون الحداثيون، وهذه المساحات التي كانت في خانة الضلال والرذيلة والبعيدة عن مجال البحث والسؤال، يجب اقتحامها واختراقها، وهذا يفسح المجال لتعامل جديد مع العقل، والتأسيس لعقلانية تحارب باستمرار " العقل السليم" ليس بوصفه العدو الخارجي الذي يتخذ قناع العقل فحسب، بل أيضا، وخاصة، بوصفه العدو الداخلي الذي يصنع آلهته ويعبدها تحت أغطية مختلفة. أي التأسي لعقلانية تمارس الفعالية النقدية على ذاتها بالدرجة الأولى وبصورة مستمرة، وتخضع للشك والفحص والنقد، سائر الأفكار. وذلك من أجل مطابقة الفكر لعقل الواقع، بما هو جدلي متغير ومتحول وإمكاني واحتمالي.

لذلك يضع إلياس مرقص للعقل والعقلانية ثلاثة مبادئ :
أولا: ليس في الوجود، مقابل الفكر، شيئان متماثلان ومتهاويان متساويان. كل الأشياء مختلفة( واقعية الفردي وكونه خارج الوعي ومستقلا عنه )، كل الأشياء مختلفة في الوجود، والفكر إدراك هويات المختلفات في كل الاتجاهات وإلى ما لا نهاية. كل الأشياء مختلفة، وكل الأشياء متشابهة ( لا اختلاف بلا تشلبه )، متهاوية، هكذا المبدأ، ووظيفة الفكر فك التشابك وإعراب الأشكال ( في بداية علم الظاهرات ليس لدينا سوى الفكر مع الهوية إزاء الوجود مع الاختلاف.
ثانيا: لا تغير بلا التغاير، ولا تغير بلا اختلاف. اختلاف أفراد النوع أساس للتغير والتطور، وشرط مطبق لظهور أنواع جديدة.
ثالثا: لا تاريخ ولا تقدم بلا تفاوت، لولا التفاوت لما كان أي تقدم ، أي تاريخ، أي ارتقاء للبشرية، المجتمع البشري مجتمع الاختلاف والتفاوت، فالحياة تفردن والإنسان ذروة التفردن.

يمكن أن نلاحظ في نتاج إلياس مرقص الفكري، العناصر العقلانية المبثوثة في تاريخ الفلسفة، حيث قرأ هذا التاريخ- الفكر الإنساني – قراءة مزدوجة، التي تشكل الماركسية محور هذه القراءة وركيزته، قرأ الماركسية مسلحا بالتراث النقدي، ساعده على قراءة غير متمذهبة وغير أيديولوجية، كما قرأ تاريخ الفلسفة وخاصة كنط وهيغل قراءة ماركسية. هذه المنهجية في القراءة جعلته يطابق بين العقلانية والديالكتيك، مأخوذا في تطوره التاريخي من هيراقليطس إلى ماركس، قرأ الماركسية بوصفها فلسفة عقلانية أولا، وإن عقلانيتها وثوريتها في آن تكمنان في طابعها النقدي الذي هو ضمان تجديدها وتطرها المستمر.

هذه الرؤية للعقل والعقلانية هي أساس، وجذر، وذروة مشروع إلياس مرقص في سعيه لتأسيس العقلانية، ضد أوثان وضلالات وحقائق الوعي العربي السائد و"عقله السليم " وسعيه إلى فكرة العقل الأعلى الفلسفية و الهيغلية اللوغوس و الـ VERNUNFT .



3- الانتقال من فكرة الثورة
إلى فكرة التقدم والتاريخ والتاريخية

إن الوعي العربي الذي يرفع لواء الوجودية ضد الفكرية، الـ " أنا موجود " ضد الـ " أنا أفكر " والغارق تحت هاجس الماهية الجوهرية، مذهبه وتصوره للواقع على أنه عالم الماهيات والجواهر. ويتعامل مع المفردات اللغوية كأشياء وأشباح موجودة أمامه، ويختار أن يعيش في بعضها بحكم تمثلها للخير المطلق ضد بعضها الآخر بوضعها في خانة الرذيلة والشر المطلق.
ونتيجة المرحلة التاريخية التي مرّ بها المجتمع العربي وظاهرة الاستقلالات الوطنية، وتنامي الفكر الكفاحي ، حول " الثورة " وتوابعها العنصرية" الشعب" "الجماهير" "الطبقة العاملة" ... إلى كعبة مارس فيها طقوس العبادة، التي ساهمت في تغطية وتبرير كل الويلات والأخطاء والجرائم ، وأسست لتنامي الأنظمة الشمولية الاستبدادية وتكريسها . والتقدم يضحى به على مذبح " الثورة" مثلما " التاريخ" يضحى به لصالح " طبيعة" انحطت في الوعي العربي إلى "فطرة" ، في هذا الوعي السائد" الثورة" تتبادل الارتباط مع " الشيء" ومع الحدث : إنها جزء مميز وتمتاز به النظرة الشيئية إلى الواقع، في النظرة الحديثة أو الإحداثية إلى التاريخ، وهما وجهان للتصور الشيئي – الرمزي للواقع والعالم، الذي يقتل فكرة التقدم ويعيش من دونها و"يستغني" بالثورة عن التقدم ، بدلا من أن تقوم فكرة الثورة على أساس فكرة التقدم . فكثرة الحركة لا تصنع تقدما، وليس تابعا لها. في الواقع الاجتماعي والتاريخي يمكن أن تكون " الحركة " كبيرة ( حروب، ثورات انتفاضات، مقاومات...) بدون أن يكون هناك تقدم ، بل يمكن أن تكون هناك ثورات كبيرة جدا ومنتصرة من دون أن تؤدي إلى أي تقدم حقيقي.
أما في الوعي العربي السائد الذي يخلد، يقدسن، يصنع أصنامه ويعبدها، فيقول ثورة ويجيش الكلمة ويقدسها، ويضعها في خانة الخير المطلق، ويتهم كل من يخدش هذا المقدس بكل توصيفات الابتذال والخيانة والرجعية والعمالة، وتحول خطابها الثوراوي إلى خطاب آخروي يعلن فيه نهاية الزمان، نهاية التاريخ، الدنية السعيدة، المجتمع المتناغم واكتمال سياسي، حل نهائي، مستقبل مشرق. وبذلك أسس إلى مجتمع استبداد وعسف وامتهان لقيم المجتمع المدني.
لأنه لا يبدأ من " الصفر"، بأن الثورة، الأمة، الاشتراكية، الوحدة،.......كلها كلمات هذا أولا، من دون أي تضمين إضافي ثانيا، هي بنت التاريخ، أي أنها لا تنافس الله سبحانه وتعالى.
وبعد ذلك، السياق الذي يورد فيه المفهوم يبعث فيه الحياة، أي يجب القيام بالجرد وإقامة الحد، وإعادة الكلمات إلى حقيقتها، إلى وظيفتها: فكر، مفاهيم، للابتعاد عن ترميزها وتقديسها، وإخضاعها لحركة التاريخ، حيث يمثل المفهوم لحظة معرفية، وبما أنه تتنازعه مذاهب واقعانية شتى وإنه بالتالي ، - وإن كان معلوما، وبقدر ما كان معلوما كمعطى- يستلزم تصويبا علميا تقوم به الفاكرة لتجعل العلم يتقد من خلال تكديس المعارف الصحيحة المتصوبة بالاختيار النقدي.
لغويا كلمة " ثورة" مستمدة من ثار ، يثور. وهي تحمل معنى مباشرا يعبر عن جانب مهم من كل ثورة: ثار ، هب، انتفض، حي من بين عناصر " الثورة" فكرة الغضب، ثورة أو صورة غضب، فكرة الهوى والآلام والجموع Passion غير "طبيعي" ( رغم أنف الوعي السائد الذي يحب الثورة من أجل الثورة ) ، فالثورات كثيرة في تاريخ البشرية الطويل ، ولكن التقدم نادر.
فلإيهام الذي يحيط معنى الثورة، هو الذي يسمح بإعطائها مفاهيم عديدة. ويرجع ذلك إلى تعدد الأشكال الثورية وإلى طبيعة المظاهر الاجتماعية التي يسودها تعقيد كبير. والمنظرون غالبا ما تختل آراؤهم في فحصهم للثورات التي طبعت التاريخ بطابعها، وحول تاريخ بدايات الثورات ونهاياتها، والأحداث التاريخية التي اصطلح على تسميتها بالثورات " الحقيقية "، وحول أشد الوجوه حسما في قيام الثورات، وبالتالي حول تلاحم الأسباب، ونتيجة لذلك، فإن معظم " نظريات الثورة" هي نظريات جزئية تحاول تفسير انهيار الدولة أو سبب أنبثاء المؤسسات الجديدة، أو توضيح خصائص المجموعات المتصارعة على السلطة.
مع الثورة الفرنسية 1789 م أصبحت تدل كلمة " الثورة " على معنى إعادة تنظيم كاملة للمجتمع، وليس على معارضة الطغيان فقط، أي بدأت تأخذ معناها المعاصر.
وينكشف معنى الثورة عند ماركس بتغير علاقات الملكية والإنتاج ، أي أن الثورة هي سمة الديالكتيك ، حيث تكون الحياة الموجودة فقدت قدرتها وكل كرامتها وأصبحت محض سلبية ، فتظهر الحاجة إلى أن يتجاوز هذا التناقض .
وعند منعطف القرن ، انتقل مركز الاهتمام من التغيير المؤسسي في حد ذاته إلى الميول السيكولوجية الكامنة وراء العنف السياسي، ويتمثل بامتياز بآراء دوركهايم وفرويد وفيبر، " فالنظريات الحالية في الثورة تلح، اليوم، على التنوع، وهي تستعمل ، مستندة إلى عدد كبير من الحالات والمسائل، تفسيرا متعددة الأسباب، وهي تبين تنوع المنازعات الثورية والنتائج بموجب الفروق في الضغوط العسكرية، والفروق في استقلال النخب و الفلاحين والمضطهدين ، وتنوع موارد الدولة والتطور الاقتصادي والديموغرافي الطويل الأجل والفروق في النمو الاقتصادي داخل الدول المتنافسة في الاقتصاد الدولي" .
فهناك ثورة وثورة ، ثورة تؤسس لاستبداد تحت غطاء المساواة والخلاص وتبشيره بمجتمع متصالح مع ذاته، متناغم، وتتحول إلى ضرب من سيف مسلط على أعناق الناس، فكل ثورة لا تؤسس لتقدم فهي ثورة استبداد وانحلال . لذا الثورة تقوم على صعيدين متماسكين، صعيد النقض والتدمير، وصعيد البناء باسم بدأ جديد، وكل ثورة تتضمن بين يقيناتها فكرة عودة ورجوع إلى مبدأ مجرد، إلى كل حقيقي، رجوع من فوق مرحلة ، تراجع عن شيء حاصل إلى ما "قبل " . فالثورة الإيجابية فعلا بحسب مرقص تضع أساسا لتقدم، وفي هذه الحالة تكون الثورة درجة أساسية على سلم التاريخ الذاهب إلى أمام. والثورة الواعية، هي التي تعي موقعها في مسار التاريخ كتقدم.
لذلك يؤكد إلياس مرقص، الفرق بين الثورة-التحول، وبين الثورة-الانتفاضة الشعبية، بأن الأولى لا تنجم عن الثانية، وشتان ما بين هذه وتلك. فلا الثورة النيوليتية مع ظهور الأرياف ( القرى، الزراعة، القمح، تدجين الحيوان، ) ولا ثورة ظهور الحضارات ( حضارة بحصر المعنى، أو المدنية) انتهاء إلى اليونان وروما والمجتمع الرًَّّقيّ مع شعب الأحرار، ولا ثورة ظهور أوروبا- عالم الإقطاعية الجديد( الذي أنضاف إلى العوالم الحضارية السابقة في الشرق والجنوب) هي ثورة بشر طبقية، ثورة كادحين، انتفاضة جماهير كادحة ، أو أي شيء من هذا النوع.
إن أول ثورة اجتماعية منتصرة في التاريخ هي الثورة البرجوازية، وهي ذات طابع شعبي دوما، لكنها الثورة البرجوازية قطعا. وهنا، وهنا فقط، الانتفاضات كانت جزءا حيويا وناجعا في " الثورة- التحول" في ثورة نمو وتقدم دائمة، بدأت منذ قرون. ثورة، تقدم، نمو أيضا ، أنهار من الدماء، هذه الفاتورة التي يجب أن تدفع، يجب الاعتراف بهذه العلاقة وعلى كل المستويات ، لا يوجد حل نهائي للمشكلة الاجتماعية، هناك دائما إمكانية تراجع وفشل وخراب وتفكك، وبعث لخمائر عدم المساواة والإخضاع التي تتطلب دفع فواتير جديدة ونضال مستمر، أي لا خلاص نهائي في هذا العالم ، وستبقى الأر



09/05/2006
0 Poster un commentaire

A découvrir aussi


Inscrivez-vous au blog

Soyez prévenu par email des prochaines mises à jour

Rejoignez les 2 autres membres