العالم العربي والثورة العلمية التكنولوجية في الألفية الثالثة

الكمبيوتر والترجمة

 

المهندس الاستشاري/ بنسعد زكرياء

//www.er-rich.tk

مصنع بلا عمال، غزو الفضاء والوصول إلى المريخ والزهرة، أقمار صناعية، شبكة اتصالات عبر القارات، إنسان آلي، اكتشافات طبية جديدة، تطورات الهندسة الوراثية، الليزر… هذه هي عناوين القرن العشرين وثمرة مئات السنين من التطور العلمي والتقدم التكنولوجي. لقد قفزت العلوم، وخاصة العلوم الإلكترونية، قفزات جبارة في السنوات الاخيرة، حتى بدأ الكلام عن " انسنة الآلة وأتمتة الإنسان" وذلك عبر سلسلة طويلة من التطبيقات العملية لمختلف النظريات العلمية التي توصل اليها عباقرة العلم في السنوات الماضية.

 بدأت وتطورت الثورة العلمية- التكنولوجية التي أحدثتها الرأسمالية المعاصرة في نفس الفترة التي شهدت التغيرات الكبيرة التي طرأت على الأوضاع الدولية أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية. ومنذ نهاية هذه الحرب توجه الرأسمالية افضل إمكانياتها لتحقيق الثورة العلمية- التكنولوجية وتتحمل القسط الأكبر في تطوير منجزاتها، واستخدامها في العمليات الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية.

 شهدت تسعينيات القرن المنصرم بوادر ولادة أجيال تقنية جديدة . وشهدت الأعوام التالية اكتمال ونضج الثورة التقنية الثالثة ( تمييزا لها عن الثورة الصناعية- الأولى- أوائل القرن التاسع عشر والثورة العلمية التكنولوجية- الثانية- بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية). اعتمدت هذه الثورة أساسا على العقل البشري والالكترونيات الدقيقة وعلوم الحسابات والذكاء الاصطناعي، وتوليد وخزن واسترداد المعلومات مع توصيلها بسرعة متناهية. إذن تشكل الأتمتة المتطورة، والسيبرنتيكا، والبيونيكا والهندسة الوراثية، والثورة المعلوماتية ، والثورتان الميكروالكترونية، والبيوجينية مضمون الثورة العلمية – التكنولوجية الحديثة وتميز اتجاهات تطورها. لقد تطورت الميكانوغرافيا، وبعدها الصناعة المعلوماتية ولم تستقم التقلبات فيها. فالمضاربة في ازدياد، والآلات الجديدة لاتزال تدفع إلى الأسواق بكمية ونوعية جديدة ومتطورة.

 ليس من المستبعد أن يسمى القرن الحادي والعشرون بقرن تكنولوجيا الثورة المعلوماتية الحديثة. فبالارتباط مع اتساع استخدام الكمبيوتر في كل مجالات الحياة وتطور شبكات نقل ومعالجة المعطيات المعلوماتية الوطنية وما بين الدول، والنمو السريع للمخزونات المعلوماتية، المنتشرة في كل العالم، وسهولة منالها لكل أنواع الكمبيوتر… كل ذلك شكل وكون شبكة مناسبة تهيئ إمكانيات الانتقال الى التكنولوجيا غير الورقية في معالجة المعلومات.... الامر الذي عنى تغيير أسلوب محاكاة الكمبيوتر وعلاقته مع الإنسان في مختلف نماذج العلائق المتبادلة العملية والخدماتية.

 لقد صاغت الثمانينات ، وعلى أساس البحوث المستمرة في مجال الذكاء الاصطناعي ، فروعا صناعية جديدة هي إنتاج " الأنظمة الذكية ". وتجري على الكمبيوتر وبواسطته حل مسائل معقدة تدعى بالذكية إذ لا ينفذها سوى الإنسان. والشكل السائد للأنظمة الذكية الآن يعتبر إطارا " للأنظمة الخبيرة". ومن أمثلة المسائل الذكية فهم وتحليل واعداد المواضيع والنصوص باللغة الطبيعية، ومحاكاة الكمبيوتر التخاطبية، وتحليل ومعالجة واعداد المخططات والرسوم البيانية والتصويرية، والترجمة من لغة طبيعية الى لغة طبيعية أخرى، والحصول على الحلول المثلى مع تغير الظروف البيئية… الخ.

 

· الترجمة الآلية

 يساهم شيوع الكمبيوتر في الكشف الأمثل عن الصفات الإنسانية، وانعتاق المواهب وتذليل عزلة الأفراد في عالمهم المنغلق ، وهذه خطوة تحررية صاعدة. وليس من اختصاص هذا الموضوع ان يظهر فسيفساء الحقائق المعقدة الجديدة اليوم والتي تعكس تناقض عالمنا الفسيح، والتي سببت التغيرات الفجائية الأنثروبولوجية التي ولدها ظهور العقل الصناعي أو الروبوت.

 تعتبر الترجمة الآلية ميدانا متطورا في البحث العلمي والإعداد التطبيقي والأنظمة الوظيفية على أساس عملية الترجمة من إحدى اللغات الطبيعية إلى لغة أخرى باستخدام الكمبيوتر. وقد حققت الترجمة الآلية الاقتراب السريع والمثابر من المعلوماتية المتوفرة في اللغة الأجنبية مع ضمان الفاعلية والدقة في ترجمة سيل كبير من النصوص خاصة العلمية والتقنية . إن الترجمة الآلية الحديثة هي ترجمة وفق قاعدة المعطيات(Data Base) في الموضوع المعني، ويدخل ذلك كله أساسا في صنف أنظمة الذكاء الاصطناعي.

 

· الذكاء الاصطناعي والأنظمة الخبيرة

 ذهب تفكير الناس منذ ظهور الكمبيوتر الى انه سوف يتمكن ذات يوم من امتلاك " قدرات عقلية" تساوي قدرات الإنسان أو تتفوق عليها. لقد سمي الكمبيوتر الأول ب " الدماغ الإلكتروني". وفي غضون العشرين سنة الأخيرة ترسخ مفهوم " الذكاء الاصطناعي".

 ان هدف الذكاء الاصطناعي هو تحليل السلوك الإنساني في ميادين الإدراك الحسي والفهم واتخاذ القرار بغية تقليدها ، وبالتالي نمذجتها على الكمبيوتر. وموضوع دراسة الذكاء الاصطناعي يشمل كامل النشاط الإنساني الذي لم يكن بالمستطاع قياسه.... ولا يعتمد فيه المعيار الخوارزمي لبساطته في معالجة المعلومات، وهو يختلف عن دور النظام الخبير . لقد استعيض عن الخوارزم* بقواعد (الاختيار )و(اتخاذ القرار )، وهي تأخذ بالحسبان المواصفات الدقيقة للمسألة المعينة خلال معالجتها.اذن الذكاء الاصطناعي تسمية مجازية لجملة التوجهات العلمية التي توحد اختصاصيي الرياضيات ، واللغات، وعلم النفس،والمهندسين ... وتستهدف تكوين الأدوات البرامجياتية الكمبيوترية،التي تذلل المحاكاة الإبداعية من خلال العناصر المكونة للكمبيوتر،وأتمتة سلوك الروبوتات وتوجيهها إلى الهدف المعني، وتأمين الألفة في التحاور مع الكمبيوتر باستخدام لغة النص أو الموضوع تحت البحث. من البديهي أن تستخدم لغات اصطناعية رفيعة في الذكاء الاصطناعي تفوق تركيبة اللغات الخوارزمية، ولغة الصيغ الكيماوية البسيطة ، وتعتمد المنطق أساسا . ومن هذه اللغات المعروفة لغة ليست (Lisp) ولغة برولوغ( Prolog).

إن عالم اليوم والتقدم العلمي التكنولوجي سيكون بلا معنى لولا النتائج التي اكتسبتها البشرية ويتوقع رفدها في المستقبل ببحوث الذكاء الاصطناعي.

 يمكن تعريف النظام الخبير بأنه برنامج لحل المشاكل يحقق أداء جيدا في مجال محدد يتطلب معرفة ومهارة متخصصة تماثل عمل الإنسان الخبير، ويوظف النظام معرفة الخبير، ويحاول محاكاة تفكيره ومهارته ودوافعه. وتستطيع معظم الأنظمة الخبيرة شرح مسببات الوصول الى نتيجة معينة. وعلى عكس البرامج التقليدية، تستطيع الأنظمة الخبيرة توظيف البيانات الكمية والوصفية، ويمكنها الوصول الى نتائج من بيانات غير كاملة او غير مؤكدة.

 استخدم الذكاء الاصطناعي والأنظمة الخبيرة في الترجمة الآلية وتطوير برامج تحقق هذا الهدف وتقديم المشورة والنصح، والحلول محل الأفراد . وذللت الأنظمة الخبيرة إمكانية " تطقيم" معارف الكمبيوتر بحاجات الترجمة ومستلزماتها، واستخدمت لأول مرة في ميدان الترجمة الآلية في كمبيوتر الجيل الرابع... واكتسب استخدامها انتشارا واسعا في آلية عمل كمبيوتر الجيل الخامس.

 

· فهم اللغة والسيمانتيكا

 من أصعب مجالات بحث الذكاء الصناعي هو فهم وتحليل اللغات، وكان من أهدافه المبكرة الترجمة الآلية. لقد ترجمت بنجاح أواخر الخمسينات لغات الكمبيوتر الخوارزمية، من لغة الى أخرى، باستخدام مكونات عتاد الكمبيوتر (Hard Ware). وعلى هذا النحو تجري كتابة البرامج لترجمة اللغات الطبيعية بمستوى أكثر رقيا وتعقيدا. تستغرق ترجمة نص شكسبيري الى اللغة العربية بعض الوقت، ولكن ترجمة أوراق علمية من لغة طبيعية الى أخرى تكون سهلة ومباشرة. ان الترجمة الآلية هي أكثر مجالات الذكاء الاصطناعي تعقيدا.

 في بدايات التجربة توصل العلماء الى نتائج عجيبة وغير منطقية في الترجمة الآلية بسبب ضرورات مرحلة التشفير او الوسائط اللغوية. ولم نحصل على ترجمة معقولة ومقبولة رغم استخدام القواميس والقواعد اللغوية البسيطة في " تطقيم " معارف الكمبيوتر. وبسبب العقبات التي واجهت مشاريع الترجمة الآلية فقد توجه البحث نحو فهم أفضل وأدق للغة، تمهيدا للنجاح لاحقا في الترجمة.

 يتطلب تعامل برنامج الكمبيوتر مع اللغة الطبيعية مقدارا كبيرا من المعرفة في تركيب الجمل، ومعنى الكلمات ، ومورفولوجيا (صرف) الكلمات، وقواعد المحادثة وغير ذلك ... ومن تطبيقات معالجة اللغة الطبيعية فهم الخطاب، وفهم رواية القصص، ونظم السؤال- الجواب، والترجمة الآلية، وفهم النصوص والوثائق، وإعادة الصياغة الآلية اللفظية للجمل، والتعامل مع البرامج الذكية، والتحكم بالمكائن والآلات المعقدة المساعدة في تدقيق النحو، وبناء النصوص وكتابة الوثائق.. وغير ذلك.

 يحتاج فهم أسلوب تعامل الكمبيوتر مع اللغة الطبيعية جهدا مضنيا في قواعد النحو والصرف. ويقول كل من بار وفيجينباوم في كتابهما " فهم اللغة الطبيعية" الصادر عام 1981: قواعد نحو وصرف لغة ما، هي مخطط اختيار وتكوين الجمل في هذه اللغة، وتعيين قواعد الإعراب لربط الكلمات في عبارات وتراكيب واضحة ومفهومة.

 لقد دخلت مفاهيم عديدة في مجال اللغة الطبيعية، منها مفهوم حديث هو ( السيمانتيكا) أي قواعد دلالة اللغة.وتعطي المعالجة السيمانتيكية معنى الكلمات في مختلف الجمل. ويميز التحليل السيمانتيكي بين استخدام الكلمات كفعل أو مصدر… الخ، ومن ثم يساعد على فهم معنى الكلمة المستخدمة. وتدخل في تذليل التحليل السيمانتيكي الضمائر والصيغ اللغوية البديلة ، وكذلك الانتقال المعقول من صيغة لغوية الى أخرى دون وجود رابطة منطقية لغوية (Ellipsis).

 ومن المفاهيم المساعدة في فهم اللغة الطبيعية قواعد الإعراب التي تميز بين التراكيب والجمل اللغوية. ان دور الإعراب في النحو هو بناء شجرة إعرابية او تركيب مماثل للجملة، وتبيان الاستعمال القواعدي للكلمات وعلاقاتها المتداخلة. ويتركز دور المعالجة السيمانتيكية في تأكيد معنى الجملة.

 

· مراحل تطور الترجمة الآلية

 اول من استخدم الكمبيوتر في الترجمة بوضوح هما بوت واويفر عام 1946. ومنذ عام 1949 سارت بحوث الترجمة الالية في الولايات المتحدة قدما في جامعات كاليفورنيا ولوس انجلوس وتكساس وغيرها. وفي جورج تاون اجريت بنجاح اول ترجمة من اللغة الروسية الى الانكليزية عام 1954. وفي عام 1955 اجريت في الاتحاد السوفييتي اول تجربة في الترجمة الالية من الانكليزية الى الروسية في الرياضيات ( على اساس قاموس يحوي 2300 كلمة) . واليوم تأتي الولايات المتحدة واليابان وروسيا (الاتحاد السوفييتي سابقا ) والصين في طليعة البلدان التي توظف الترجمة الآلية لخدمة متطلباتها الاجتما- اقتصادية، والعلمية- التقنية.

 تستعمل اليوم الترجمة الالية في ميادين كثيرة منها: ا- المعلومات الخدماتية لتوفر معلومات واسعة وكثيفة وسيل ثابت من المصادر اللغوية الاجنبية. 2 - المنظمات العالمية التي يتطلب عملها عددا كبيرا من الوثائق متعددة اللغات. 3- الخدمات المرتبطة بترجمة الوثائق التقنية التي تصاحب عادة اقتصاديات التصدير. 4- الترجمة التوافقية الفورية التي تتطلب عددا كبيرا من البلاغات والتعابير المتماثلة.

 يمكن تصنيف أنظمة الترجمة الآلية على أسس متنوعة منها: تطور الستراتيجية اللغوية. وعلى هذا الأساس يصنف تطور الأنظمة المذكورة إلى أربع مراحل. الأولى وامتدت من نهاية الأربعينات حتى أواسط الستينات، واتسمت بتطور مضطرب وعاصف في الأنظمة المذكورة. ويشبه عملها ترجمة النصوص كلمة كلمة، وتسمى بأنظمة الجيل الأول. المرحلة الثانية امتدت حتى أواسط السبعينات، وامتازت بتطور النظريات اللغوية حيث استند عليها تطور كمبيوترات الترجمة. أما أنظمة الجيل الثالث فامتدت حتى أواسط الثمانينات وخلالها انتشرت صناعة الترجمة الآلية أوسع انتشار وتطورت تقنية التحليل النحوي والصرفي والسيمانتيكي. الا ان هذه الأنظمة لم تشهد عصر النماذج التقنية السيمانتيكية رغم دخولها لأول مرة في التاريخ عهد المحاكاة والتخاطب الكمبيوتري وتفاعل الإنسان مع الآلة. ظهرت الأنظمة الخبيرة والمعرفة النصية والمصطلحاتية في الجيل الرابع من الأنظمة منذ أواسط الثمانينات.

 استند المشروع الياباني في بناء أنظمة الجيل الخامس على أساس مختلف تماما فدمجت الترجمة الآلية مع كمبيوترات الجيل الخامس. وهذا بحد ذاته تطور هائل أدى الى تطور الأنظمة المتعددة اللغات القائمة على أساس تقنية الترجمة المعلوماتية الذاتية. وفيها تكشف الإمكانيات اللغوية عن توسع أسس المدخلات والمخرجات (Inputs)(Outputs) التخاطبية الكمبيوترية.

 كما تصنف كمبيوترات الترجمة على أسس أخرى أهمها نطاق الاستخدام ودقة صناعة الكمبيوتر، وتقسم عادة الى ثلاثة أنواع: الصناعية والمتطورة والتطبيقية( او المختبرية).

 

· آفاق تطور الترجمة الآلية

 ان قضية الترجمة بما فيها الترجمة الالية هي قبل كل شيء ، قضية ومشكلة اللغة. ومن الضروري ان تفسر النظرية السيمانتيكية قواعد وقوانين تطور محاكاة النصوص ارتباطا بالتطور البرامجاتي للنص ... في هذا الاتجاه تتطور الترجمة الالية كميدان علمي بحد ذاته ويتبع ذلك اهتمام بمختلف انواع الادوات الوسيطة( Mediators) في اللغة: مثل تلك القائمة على لغة الاسبرانتو العالمية. ومن الادوات اللغوية للوسيط اللغوي الرئيسي قواعد فيلمور وهي من اشهر النماذج السيمانتيكية رغم انها لا توضح كامل العمليات السيمانتيكية. و في هذا المضمار كان الحضور القوي للقسم النظري والتطبيقي لعلم تصنيف المعاجم والقواميس ( ليكسيوغرافيا) ونظرية النصوص، ونظرية دالة عملية الترجمة وغيرها.

 يحدد خاجينز المشاكل الاساسية التي تواجه الترجمة الالية ، بعامل تعدد مستويات تقديم النص من حيث المحتوى والتراكيب ، ووسيلة تكامل المستويات المختلفة – لعملية ( الفهم) ، وتطور طرق التحليل البسيطة والشاملة، ومعالجة النقص، والاستعمال المجازي للنقض السيمانتيكي، وتطور صياغات السيمانتيكا النصية، ومعالجة الشبكات السيمانتيكية الكبيرة والمعقدة، وتأمين مبادىء متطورة لعملية التشفير وخاصة ما يتعلق بالقواميس الكبيرة.وعند سلوكوم افق هام للتطور المنشود لانظمة الترجمة الالية الكبيرة – وهو ضرورة اتمتة نفس عملية البحث . ويرى انه لم تعد الطرق اليدوية في بناء وتشكيل النماذج السيمانتيكية مقبولة في الاستخدام بالانظمة الكبيرة.

 تتشكل انظمة الترجمة الالية المعاصرة من انظمة مجمعاتية تعمل على مختلف النظريات اللغوية ، وتمتلك المخرجات لمختلف المشكلات المعلوماتية. ومن المشاكل الاساسية اللغوية التي تواجه تطور الترجمة الالية تشكيل او صياغة سيمانتيكا النص وادخال المعارف في التراكيب والنماذج السيمانتيكية. وتحل جميع هذه الاشكالات البحوث الجارية في تطوير الذكاء الاصطناعي التي تفصح عن آفاق بحث عملية لغوية واسعة.

 

· انظمة ترجمة نموذجية

 نظام سيلود: أمن هذا النظام في الاتحاد السوفيتي السابق الترجمة المعلوماتية والوسيط النصي للترجمة وكذلك الترجمة النصية التقنية. ويحتوي على مترجم جامع برامجياتي ومترجم جامع قاموسي آلي. ويستخدم هذا النظام عادة في الصناعة.ولقواميس هذا النظام عام 1987 مثلا : الإنكليزي- 18 ألف كلمة و12 ألف مصطلح ( idiom) ، الفرنسي – 10 آلاف كلمة و4 آلاف مصطلح، والروسي –( 4500) كلمة والف مصطلح، وكذلك توجد قواميس لغات أخرى. هذا فيما خص مدخلات الكمبيوتر- النظام. أما قواميس المخرجات فهي الروسي وحوى 50 ألف كلمة، والإنكليزي وحوى( 3500) كلمة، وتوجد قواميس ومخرجات أخرى. ويشمل النظام تراكيب سيمانتيكية. واعدت القواميس الآلية على أسس التقنية الكمبيوترية وشيوع استخدام آداب المخاطبة. واتسع المترجم الجامع البرامجياتي لذاكرة فعالة بقدرة 120 كيلو بايت** بينما اتسع قاموس المدخلات الذي حوى 150 ألف وحدة لثلاثة ميكابايت، أما قاموس المخرجات الروسي فاتسع لاربعة ميكابايت. واستخدم النظام لغة PL-1 ولغة التجميع***.

 ومن انظمة الترجمة الالية الصناعية المشهورة الاخرى نظام تيتران الياباني، ونظام آنراب السوفييتي، ونظام ميتال الاميركي. وفي صنف انظمة الترجمة المتطورة احتل نظام روسلان الجيكي موقفا متميزا.... صاحبته انظمة مثل نظام ترانسوفت الاميركي- الالماني المشترك، ونظام ياراب السوفييتي.

 

· خاتمة

 لو حصرنا تطور العلم والتكنولوجيا طيلة تاريخ البشرية كله بمقياس عام واحد لاتضح ان الفترة الممتدة منذ اكتشاف النار حتى ظهور اول اداة حجرية قد استغرقت 9 اشهر، اما احدث اكتشافات اسرار الطاقة النووية والالكترونيات الحديثة الصغيرة والليزر فقد استغرقت الفترات المارة بينها ثوان فحسب!

 في مثل هذه الفترات المحسوبة بالثواني ستظهر في المستقبل مصانع الميتالورجيا والمختبرات البيونيكية والبيوتكنولوجية على متن الاقمار الصناعية،والبيوت مع ساكنيها في قاع المحيطات ، وستشمل الانظمة المعلوماتية كل نواحي حياة الانسان والمجتمع.

 تتحول البشرية اكثر فاكثر الى اسرة عالمية واحدة ويزداد تكاملها في ظل التقدم الهائل العلمي – التقني والتبادل المعلوماتي . بينما يعتبر قلب الثورة العلمية – التكنولوجية الآن تولي الوسائل التقنية انجاز مهام الانسان الوظيفية. لقد اصبح العلم والتكنيك اليوم اساس الانتاج المادي.

 هذا هو العالم الذي نعيش فيه اليوم وهو عالم مفعم بالآمال ، فالناس لم يكن في متناولهم بهذا المقدار ما يلزم لتطوير الحضارة. وهو في الوقت نفسه عالم مثقل بالمخاطر والتناقضات ويعد باكثر فترات التاريخ قلقا.فهل يتعض المعممون وتتعض القوى المتباكية على الدين والشرف ومصالح الطائفة المظلومة والقومية المهضومة حقوقها والمجموعة المغبون وجودها.. والمتسترة بالتقوى على جرائم اغتصاب الشرف الوطني وبيعه لدويلات الموت الأسود والتي تحكم العراق اليوم من دروس الانسانية جمعاء ؟ يؤكد التاريخ انهم وجرذان البعث المنهار وجهان لعملة واحدة

12 – الثورة العلمية والتكنولوجية والفنية في القرن 20م

مادة الاجتماعيات ذ:حسن مفدي

 

مقدمة: تميز القرن 20م بظهور ثورة علمية أسفرت تطبيقاتها عن ثورة تكنولوجية مست مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والفنية.

أولا : الثــورة العلـــــمية :

الميدان

أهم الرواد

التطورات الحاصلة +  نتائجها

الرياضيات

 

لوباتشيفسكي(روسيا)
ريمان (المانيا)
كانتور (فرنسا)

  1. الهندسة الاوقليدية:مفهوم الحقيقة الرياضي.
  2. هندسة لاأوقليدية: اعتمادها على فرضيات ←ظهور المنهج الاستدلالي.
  3. استفادت من ذلك مختلف العلوم وعلى رأسها الفيزياء.

الفيزياء

نيوتن (المانيا)
انشتاين (المانيا)
روتر فورد (بريطانيا)
بلانك (المانيا

-الفيزياء الكلاسيكية: قانون الجاذبية[ الزمان والمكان والحركة عام ومطلق].
-نظرية النسبية[ الزمان والمكان نسبيان لأنهما يتأثران بالسرعة].
-نظرية: الالكترونات [الذرة تتكون من نواة (+) موجبةتدور حولها إلكترونات(-) سالبة.

- نظرية ميكانيكا الكوانطا.

البيولوجيا

ميندل (نمساوي)

مورگان (و.م.أ)

  1. تطور علم الوراثة(التوصل الى الجينات) ودورها في الوراثة.
  2. تطور البيولوجيا الخلوية [الخلية هي الوحدة الاساسية لكل كائن حي].
  3. الخلية مكونة من نواة وبالتالي فالنواة مكونة من صبغيات (كروموزونات).
  4. اختراع المجهر الالكتروني ك تطور البيولوجيا الجزيئية.
  5. الجين هو جزيئي ل[ADN] الموجود داخل الصبغيك تطور الهندسة الوراثية.

  6. اقامة تجارب (للاستنساخ) عن طريق معالجة الجينات وتقسيمها الى قطع ومضاعفتهاك استنساخ النعجة( دولي).

 

ثانيا :الثورة التكنــــــــــولوجية:
1 / - اعتمدت الثورة التكنولوجية على تطبيق الاكتشافات العلمية:
*استعمال الانابيب المفرغة لتضخيم التيار الكهربائي ← اختراع المذياع.
* اكتشاف أنابيب [الأيكونوسكوب ] ← التوصل الى اختراع التلفزة.
*التحول من الانابيب المفرغة الى اكتشاف الترانزيستور ← ثورة كبرى في المجال الالكتروني.
*تطور مجال المعلوميات:ظهور الحاسوب في (و.م.أ).
*تطور علم الاحياءالآلية(التمثيل بين الذماغ البشري والذماغ الالكتروني) ← الروبتيك[الانسان الآلي].
*التوصل الى اختراع القنبلة النووية ثم الهيدروجينية في (و.م.أ) والاتحاد السوفياتي + استعمال الطاقة النووية لاغراض سلمية.
*في مجال الفضاء:تمكن الاتحاد السوفياتي و(و.م.أ) من غزو الفضاء والوصول الى سطح القمر ووضع أقمار اصطناعية في مداراتها.
*تطور الكمياء العضوية ← تطور الصناعات الكيماوية/ البتروكيماوية/ الكاربوكيماوية....

 

2 / - خلفت الثورة التكنولوجية نتائج مختلفة:
*في الميدان الفلاحي: استعمال الآلات والتقنيات الحديثة← ارتفاع المردودية والانتاج [البذور المختارة    + تطور الهندسة الوراثية + التهجين + الهندسة الزراعية....]
* في الميدان الصناعي: استعمال الربوتيك/ التوصل الى استغلال الطاقة البديلة/التوصل الى استبدال بعض الخامات الطبيعية بخامات صناعية جديدة(حرير اصطناعي-نسيج اصطناعي....)/ ظهور توزيع جديد للصناعات في العالم:الشمال تتركز به صناعات ذات تكنولوجيا عالية وبالمقابل الجنوب به صناعات ملوثة وأقل تطورا تكنولوجيا.
* في مجال المواصلات والخدمات: تطور وسائل المواصلات والاتصال البرية والبحرية والجوية والسلكية واللاسلكية....   ( ازدياد سرعة الاتصال والمواصلات/تحسن المردودية/الفعالية....) ← تحسن الخدمات.
*في الميدان الاجتماعي : انعكست آثار التحولات الاقتصادية على الميدان الاجتماعي تحولات في البنية المهنية(الساكنة النشيطة): تراجع نسبة العاملين في القطاع الفلاحي +  تراجع نسبة الطبقة العاملة  +  بطالة هيكلية  +  فئة عمالية ذات تكوين عال.....← شهد المجتمع الرأسمالي الحديث عدة تحولات.

ثالثا : الثورة الفــــــــــــــنية :
1 / - ثاثر فن الرسم بتحولات المرحلة:
* الاتجاه الواقعي: أواسط القرن19م محاكاة الطبيعة(دوميي/كايبوت/مونيي...)
*الاتجاه الانطباعي: ابراز مفعول الضوء (مونيي).
*الاتجاه التكعيبي: خلال القرن 20م الاعتماد على أشكال هندسية للتعبير عن موضوع معين +  لم يعتن بالالوان (بيكاسو).
*الاتجاه التجريدي: اعتمد على الالوان والاشكال الهندسية،لكنه اعتبر فن الرسم تعبيرا عن قوانين التناغم الكوني وليس الاشكال الطبيعية.
*الاتجاه السوريالي: ارتبط بمرحلة ما بعد الحرب العالمية الاولى ← الاتجاه الى اللامعقول والعبثية.
*الواقعية الاشتراكية: وظف فن الرسم لخدمة الاهداف الاديولوجية للنظام البولشفي.
*ACTION-PAINTING : ظهر هذا الاتجاه بعد الحرب العالمية الثانية،يعتمد على صب الالوان على اللوحة دون استعمال الفرشاة.

2 / - تميز القرن 20م بظهور الفن السابع :
مثلت محاولات الاخوين (لوميير) اولى خطوات العمل السينمائي ؛فظهرت بعد ذلك أفلام روائية (صور متحركة صامتة في البداية).
بعد الحرب العالمية الاولى ظهرت شركات سينمائية عملاقة (برامونت/وارنر بروس....). فأنتجت الافلام الكوميدية وافلام رعاة البقر...وأصبحت الافلام ناطقة ابتداءا من سنة 1927 ← انطلاقة قوية لتطور السينما.
وفي الاتحاد السوفياتي انفردت السينما بتناولها للصراع الثوري وخدمة أهداف[النظام البولشفي ]خاصة مع المخرج (إيزنشتاين).
ومع ظهور جهاز التلفاز اضطرت السينما الى تطوير تقنياتها ←[ السينما سكوب] كما اعتمدت على الحاسوب والمعلوميات كالمخرج (سبيلبيرغ).

 خاتــــــمة:
بالرغم مما حققته الثورة العلمية والتكنولوجية من نتائج ايجابية لصالح البشرية في القرن 20م فانها كانت كذلك وراء ظهور أسلحة الدمار الشامل في الوقت الذي لم تتمكن من القضاء على بعض المشاكل: كالجوع/التخلف/ بعض الامراض....

العالم العربي والثورة العلمية التكنولوجية في الألفية الثالثة

«لا تأخذوا المحاضرة بجدية كبيرة... استريحوا فحسب واستمتعوا، سأخبركم كيف تبدو تصرفات الطبيعة. وإذا سلمتم فقط بأنها تتصرف بهذا الشكل فستجدونها شيئا بهيجا وممتعا، ولا تتساءلوا: «لكن كيف يمكن ان تكون كذلك» لأنكم ستنتهون الى طريق مسدود لم يستطع احد ان يتفاداه... لا احد يعرف كيف يمكن ان تكون كذلك». هكذا افتتح عالم الفيزياء المشهور ريتشارد فاينمان محاضرته عن فيزياء الكم. وقد تكشف لنا فيزياء الكم كيف تصرفت الثورة العلمية التكنولوجية في العالم العربي في القرن العشرين وربما تساعدنا على استشراف آفاق البحث العلمي في العالم العربي في الألفية الثالثة.

الثورة العلمية عند مقارنة 50 الف سنة من تاريخ البشرية على الارض بعمر انسان يبلغ الخمسين من العمر نكتشف ان الانسان لم يغادر الكهوف إلا وهو في عمر الاربعين، ولم يتعلم القراءة والكتابة قبل بلوغه الخامسة والاربعين، أي منذ خمس سنوات فقط. وقبل نصف عام ابتكر الطباعة وعرف ان الارض التي يعيش على سطحها كرة تدور حول الشمس. ولم يمض سوى شهرين على بنائه الآلة البخارية، واكتشف في اثرها الكهرباء. وقبل ثلاثة اسابيع فقط انشأ اول طائرة واخترع الراديو. وفي الاسبوع الماضي ابتدع التلفزيون والمفاعل النووي والحاسوب، وقبل ثلاثة ايام طار في مركبة فضائية حول الارض. وامس هبط على سطح القمر.

هذه الصورة المقارنة لعمر الانسان وتاريخ العلم تقرب الى الاذهان النقلة الخاطفة التي حدثت في حياة الجيل الحالي من العلماء والباحثين العرب. يمكن رؤية هذه النقلة رأي العين في «مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية» في السعودية. ففي العقدين الاخيرين من القرن الماضي اصبحت هذه المؤسسة التي صدر مرسوم بانشائها عام 1977 (1397 هجرية) اكاديمية ووزارة للعلوم والتكنولوجيا ومركزا وطنيا للاستشعار عن بعد ومرصدا فلكيا ومعهدا للبيئة ووكالة قومية للطاقة الذرية ومحطة مركزية للطاقة الشمسية ومعهدا للبيئة ومعهدا للبحوث الالكترونية واخيرا المركز الوطني للانترنت. ودخلت «مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية» في عشرات العقود مع جهات محلية واقليمية ودولية من القطاعين العام والخاص لبحث وتطوير مئات التقنيات والبرامج، التي تراوح ما بين انتاج معاجم الكترونية وانظمة كشف اشعاعية وعمليات مسح جغرافية وجيولوجية وفضائية وتطوير اجهزة لمساعدة المعوقين وخلايا وقود هيدروجين وادوات انترنت وانتاج سلالات محسنة من الاسماك والنباتات.

ثورات مؤسساتية علمية تكنولوجية مماثلة حدثت خلال الربع الاخير من القرن الماضي في بلدان عربية عدة. وعلى صعيد العالم العربي شهد العقدان الاخيران من القرن العشرين مضاعفة عدد خريجي مؤسسات التعليم العالي ضعفين، حيث ارتفع عددهم من 219 الفا عام 1980 الى 460 الفا عام 1995. أدت هذه القفزة الى التحاق اكثر من خمسة ملايين من خريجي الجامعات بالقوة العاملة خلال الفترة ما بين عامي 1980 و1996. ويعادل هذا الرقم 72 في المائة من المجموع التراكمي لخريجي التعليم العالي العاملين في البلدان العربية في عام 1995. وتضاعف عدد مؤسسات العلوم والتقانة العربية 12 مرة، حيث ارتفع من 102 مؤسسة عام 1960 الى 1285 عام 1996. وتضاعف عدد الوحدات البحثية الوظيفية للفترة نفسها من 26 الى 322. وقفز عدد الجامعات للفترة نفسها من 19 جامعة عام 1960 الى 175 عام 1996. وبلغت نسبة المؤهلين في ميادين العلوم والتقانة 40 في المائة الى مجموع الخريجين مقابل 60 في المائة لخريجي العلوم الاجتماعية والاقتصادية والانسانيات.

كيف حدث ذلك؟ هل نشأت بين الثورة العلمية التكنولوجية خارج وداخل العالم العربي «العلاقة الشبحية» بين زوجي الفوتون التي تتحدث عنها نظرية الكم؟ فأينما توجهنا بأنظارنا في العالم العربي نشهد آثار الثورة العلمية التكنولوجية: مراكز حضرية حاشدة بالعمارات الشاهقة والانشاءات العملاقة والمؤسسات وشبكات الخدمات العامة انبثقت في مساحات من الارض كانت قبل ربع قرن خلاء أو مغمورة بمياه البحر أو مغطاة بالكثبان الرميلة وتبدو من الجو على امتداد عشرات الكيلومترات انابيب النفط والغاز والماء والكهرباء والهاتف والمجاري. وحواضر متواضعة، مثل ابوظبي كانت محاطة بكثبان الرمال أو مغمورة بمياه البحر قبل عقدين من السنين تبدو الآن من الفضاء بقعة خضراء يانعة.

الاستنتاج الرئيسي للثورة العلمية التكنولوجية التي قلبت العالم العربي رأسا على عقب هو ان العلم اخطر واهم من ان يترك للعلماء وحدهم. ومن أجل فهم ما حدث للعالم العربي في القرن الماضي وما سيحدث له في القرن الواحد والعشرين نحتاج الى ان نفعل ما فعله الفيزيائيون المعاصرون، وذلك ان نتخلى مثلهم عن اعتبار العالم «معقولا» تحكمه قوانين الحركة الكلاسيكية التي صاغها اسحاق نيوتن. ان نشكك مثلهم بالقوانين التي لا تقبل الجدل مثل «لا شيء يحدث ما لم تفعله قوة»، ونعيد النظر بالمنطق السليم الذي يقول «لكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه».

الخيال والمعرفة القوانين الفيزيائية الكلاسيكية التي لا تزال تبدو ضرورية، غير قابلة للشك وحتمية تعرضت لهزة خطيرة في مطلع القرن الماضي. فعلت ذلك فكرة بسيطة تقول ان الطاقة تنقسم الى «كمّات» (جمع كم). وضع الفكرة عالم الفيزياء ماكس بلانك حين اعاد عام 1900 صياغة الضوء، معتبرا اياه وابلا من جسيمات ضوئية «فوتونات». ويعرف العالم الآن كيف قلب ماكس بلانك من دون قصد الواقع رأسا على عقب عندما اعلن ان اشعة الضوء تحدث كالمادة على شكل كميات منفصلة. اطلق بلانك على هذه الاجزاء التي تتكون منها الطاقة اسم «كوانتا» (كمّات) Quantas وهو الاسم اللاتيني لكلمة «كم». وتصور بلانك وقتها ان هناك تفسيرا اعمق ربما لهذه «الكوانتا». لكن سرعان ما ظهر ان «كمكمة» Quantisation الطاقة، إذا صح التعبير ـ أي تجزئتها الى قطع منفصلة ـ اجترحت في الحقيقة قانونا جديدا للطبيعة، والمفارقة ان ماكس بلانك نفسه لم يتقبل هذا الاستنتاج ابدا وبقي يعارضه حتى وفاته، وانطبق عليه قوله المأثور: «إن النظريات العلمية الجديدة لا تخلف السابقة لأن الناس غيروا فكرهم، بل لمجرد ان الناس القدماء ماتوا».

لم يستطع ماكس بلانك ان يعتبر «الكم» الذي اكتشفه بنفسه اشياء واقعية، بل اعتبره بالأحرى مجرد أداة رياضية تسهل عمل الفيزيائيين، واتخذ ألبرت انشتاين الذي ساهم مع بلانك في اكتشاف الفوتون الموقف الرافض نفسه، لكن مشكلة انشتاين كانت مختلفة عن بلانك. فهو لم يجد صعوبة في تصوير الضوء كقطار من اطلاقات بالغة الضآلة يمكن ان تقذف بالالكترونات خارج ذراتها. والفوتون، كما هو معروف الاسم الذي يطلق على الضوء عندما يتصرف كجزيء، لكن التسليم بأن الفوتونات اشياء واقعية ادخل عنصر «الاحتمال» الى الفيزياء، كان هذا يزعج انشتاين حقا. فعلى رغم الثورة التي احدثها في علم الفيزياء بقي انشتاين محافظا متشددا في جانب واحد، وهو الاعتقاد الذي لا يقبل الجدل بعاملي السبب والنتيجة، يعني انك اذا كنت تعرف جميع مكونات وصفات اي شيء، فينبغي بالأحرى ان تكون قادرا على التنبؤ بما سيفعله بالضبط في أي موقف. ونظرية الكم على الضد من ذلك لا تستطيع قطعا ان تجزم الا باحتمال وقوع أي شيء، وذلك لأن قياسات «الكم» احتمالية، وحافظ انشتاين حتى سنواته الاخيرة على عداء لا يلين لفيزياء الكم، ولا تزال تتردد لحد الآن اصداء تعليقه الشهير على مبدأ «الاحتمال» في نظرية الكم «الله لا يلعب النرد بالكون». ومشهور ايضا رد العالم الدنماركي نيلز بوهر، احد قادة نظرية الكم على انشتاين قائلا: «ألبرت... كف عن اخبار الله بما يفعل»! والآن عندما نتطلع الى الماضي القريب، نكتشف ان الثورة العلمية التكنولوجية لعبت النرد بالعالم العربي على امتداد القرن العشرين، ابتكار الآلة البخارية اطلق اول خطوات العولمة التي قضت على ملايين الصناعات الحرفية عبر ارجاء العالم العربي، وحولت بلدان عربية رئيسية الى مزارع للقطن وغيره من المواد الاولية اللازمة للصناعة الغربية، وشبكت المنطقة العربية بالسوق الرأسمالية العالمية. ووضع ابتكار محركات الاحتراق الداخلي التي تعمل بوقود النفط العالم العربي على خريطة الثورة الصناعية العالمية. واصبح «هذا الوحل الثقيل الذي يُعرف بالنفط» الطاقة الرئيسية لحضارة القرن العشرين.

المفارقة ان البلدان العربية لم تبتكر هذه التكنولوجيا، ولم تطور آلاتها، لكنها مع ذلك اصبحت لاعباً رئيسيا فيها لأن ارضها ضمت اكبر احتياطات وقودها العالمية. والمعضلة الفلسفية هنا في السلوك المزدوج للثورة الصناعية الذي يشبه التصرف المزدوج للالكترون كموجة وكجسيم في آن. وليس لكل انسان يتأمل واقعة الثورة العلمية التكنولوجية التي قلبت العالم العربي رأسا على عقب سوى ان يردد سؤال ريتشارد فاينمان في مطلع محاضرته عن نظرية الكم «لكن كيف يمكن ان تكون كذلك»؟

وخلافا للتصور المتسرع لا يقترح الاستقراء «الكوانتومي» سلوك الثورة العلمية التكنولوجية في العالم العربي اجازة من التفكير ولا يقدم بطاقة للتفاؤل المريح، فقياس المستقبل العربي خاضع لمعايير «الاحتمالات» ومبادئ «اللايفين» التي تخترم قياسات فيزياء الكم الواقع. وفيزياء الكم تقول ان التنبؤ بما سيحدث لفوتون واحد غير



28/12/2007
0 Poster un commentaire

Inscrivez-vous au blog

Soyez prévenu par email des prochaines mises à jour

Rejoignez les 2 autres membres