مقاربة لفهم وتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

مقاربة لفهم وتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

بقلم :مقدمة:ز كــر يــاء

تستند هذه الورقة لحقائق ومعطيات لا مهرب منها، تشكل خلفية للتحليل ورصد المتناقضات بحثا عن مخرج وحل يتيحه الممكن التاريخي. من طراز الحقيقة الموضوعية التي تشي بوجود ما يزيد عن 4.5 مليون فلسطيني لهم مدنهم وقراهم وخصائصهم في الضفة وغزة ووراء "الخط الأخضر" ونحو 5 مليون اقتلعوا من ديارهم في عملية تطهير عرقي بشعة عام 48 ونزوح قهري عام 67 يعيشون ذل الشتات دون أن تفتر ذاكرتهم التاريخية وحلمهم بالعودة الذي عمدوه بتضحياتهم ودمائهم رافضين التوطين وجحيم التشرد. ففي استطلاع عام 1997 أعلن 96% من أهالي المخيمات الفلسطينية في لبنان عن تمسكهم بالعودة لقراهم ومنازلهم. ومن جانب آخر ثمة 5.5 مليون يهودي إسرائيلي استقدم معظمهم المشروع الصهيوني من أرجاء العالم يتكئون على قاعدة اقتصادية-تكنولوجية وينتشرون في عموم فلسطين الانتدابية. أما الحقيقة الثانية فهي تشابك المجتمعان الفلسطيني العربي واليهودي الإسرائيلي و تواشجهما الاقتصادي والخدماتي سيما في سوق العمل وخطوط المواصلات والثروة المائية التي تحظى بأهمية فائقة في بلاد فقيرة بالمياه، ورغم غلبة هذا التجمع السكاني أو ذاك في هذه البقعة أو تلك فلا ينتصب سور الصين العظيم للفصل الجيوعرقي بين المجتمعين. فالحيزان الفلسطيني واليهودي لا ينفصلان إلا ليتداخلا ولكن تحت الهيمنة العنصرية الصهيونية وما نتج عنها من سياسات وممارسات.

بلا ريب أن ملايين الفلسطينيين يتسمون بخصائص ثقافية-لغوية-تربوية، وهذا حال ملايين اليهود فثمة خصائص جماعية لكل منهما رغم أية تمفصلات مشتركة تربط اليهود الشرقيين بجذورهم العربية وهم الذين يشكلون نحو 40% من المجتمع اليهودي الإسرائيلي. وان تباينات طبقية، عرقية بين اليهود الشكنازيم والسفرديم والروس وتعدد الأصول القومية، حيث أن اليهود قبل قدومهم لفلسطين ينتمون لأمم شتى، فرنسية، ألمانية، أمريكية، روسية، عربية... مثل هذه التباينات يجري صهرها بتدرج في هوية جماعية... وهذا حال الفلسطينيين، فاغتصاب وطنهم وتشريدهم وتوزعهم على تجمعات تحيطها ظروف متفاوتة، بما في ذلك تغطيسهم في أولويات متناقضة في العقد الأوسلوي الأخير، لا ينتقص من هويتهم الوطنية وخصائصهم الجماعية.

ينبغي أن يكون جليا وحاسما بما فيه الكفاية أن المسألة الفلسطينية العربية والمسألة اليهودية الإسرائيلية قد تشابكتا في ثنائية متناقضة. فلا وجود لواحدة إلا والثانية معها، ولا حل للأولى إلا بحل الثانية. وقد جرت عملية إقصاء وتهجير لثلثي الفلسطينيين من منازلهم وكرومهم ومدنهم وقراهم واحتلال 78% من وطنهم لم يكن لليهود حسب الوثائق البريطانية سوى 5.6%، في نية لتحويلهم "لغبار الأرض" ( غير أن كل رغبات اختفائهم ليست سوى أحلام نتاج ضائقة عميقة) بنفنستي- الباحث الإسرائيلي. وتكرر ذلك باحتلال عام 67 وصولا إلى فرض اوسلو (كمونولوج إسرائيلي ) بيرس، ومفاعيله وما أفضى إليه... دون أن يتحقق السلام... وإن استباحة فلسطين شعبا ووطنا وانحناء غير نظام عربي للإرادة الأمريكية-الإسرائيلية وتوقيع اتفاقات وفتح سفارات... ناهيكم عن الجرائم المنظمة والاغتيال الممأسس الذي يتعرض له الفلسطيني وإفساد وتطويع أوساط نافذة... كل ذلك لم يسقط راية الكفاح التحرري... أما التهديدات الإذاعية الجوفاء بإلقاء اليهود في البحر أو طردهم من بلاد المسلمين وتذكيرهم بخيبر اليمن فلم يمنعا تزايدهم من نصف مليون في أربعينات القرن الماضي إلى مليونين في الستينات وأكثر من 5 مليون اليوم...

يبدأ الخلل من الرؤية التي توجه الممارسة ( إذ أننا مقتنعون أن الخطر الحقيقي يكمن في الصياغات النظرية للأفكار أما المحاولات العملية، حتى الجماهيرية، فيمكن تفسيرها والإجابة عليها طالما أنها تصبح خطيرة، في حين أن الأفكار التي قهرت القدرة الثقافية واتخذت موقعا في العقول... فهي شياطين يمكن أن يقهرها الإنسان بإخضاعها) ماركس.

ثمة أسئلة حارقة من نوع: ما هو مصير ملايين الفلسطينيين واليهود ؟ هل لهم حق الحياة؟ هل يسمح العمل السياسي الأخلاقي بإزاحتهم من المكان والزمان أو إبادتهم فيزيائيا ؟ هل هم وباء أم بشر ؟ هل الصراع أبدي أم يزول بإزالة أسبابه ؟ هل تعرض الفلسطيني للاقتلاع عام 48 وله حقوق مغتصبة أم... وصولا إلى قرار 194 ؟ وماذا عن (الكولونيالية الصهيونية التي جلبت الدمار والخراب وتحالفت مع أعتى الإمبرياليين وأشرسهم ) بولس فرح. وماذا عن الفلسطينيين هل هم بنية اجتماعية-سياسية أم يجدر التعامل معهم بالمفرق كقطع خردة؟ وماذا عن مقولة أن العرب متخلفون واليهود حضاريون، فهل يحق للحضاريين الاستئثار ببلاد المتخلفين وإقامة دولة عنصرية محلهم ؟ وهل قاد ذلك إلى الاستقرار؟

 (لا مهرب إما أن يتساوى البشر في الإنسانية أو التورط في العنصرية ) ادوارد سعيد. وكل المشروعات العنصرية-الشوفينية في التاريخ كان مآلها الإخفاق، بدءا بالآشوريين منذ ثلاثة آلاف عام ويزيد، مرورا بالإمبراطورية الرومانية منذ ألفي عام، عرجا على السكسونيين في القرون الأخيرة، وصولا إلى النازية الهتلرية. ولن يكون مصير الصهيونية العنصرية غير مصير النظام العنصري في جنوب إفريقيا وهما الأكثر تشابها، حتى مملكة الخزر التي استمرت خمسة قرون حينما انحازت جماعات تركية ومغولية وفنلندية لليهودية هزمها الروس السلاف وتشتت أهلها في أنحاء أوروبا.

( إذ لا نعترف إلا بالتاريخ وعلم التاريخ ) ماركس ( وإن كان لا يهبنا قياسات صالحة فهو يزودنا بدروس تعلمنا في استخراج نماذج ) كيسنجر. فإبادة ملايين الفلسطينيين أمر متعذر، كما ترحيلهم، وقد جرب الترحيل عام 48 ولكنه صب الزيت على نار الصراع ليس إلا.

لا مناص من حلول مبدعة أخلاقية تعيد الحقوق وتفضي ( لأخوة حقيقية) جورج حبش، كما كان الحال على امتداد آلاف السنين.

( فقد تطور الإسرائيليون القدامى من الحضارة الكنعانية) فلنكنشتاين عالم الآثار في جامعة تل أبيب.(الثقافات متمازجة كثيرا، ومضامينها وأحداثها التاريخية متداخلة ومختلطة المولد كثيرا) ادوارد سعيد، ناهيكم ( أن الوجود اليهودي في فلسطين كان متقطعا، ولا يمكننا الحديث عن تاريخ واحد بل تواريخ لجماعات متعددة) اليهودي يعقوب برناي...

كل هذا المسار قبل نشوء الصهيونية المعاصرة التي نجحت في زج أوساط يهودية ( في سياق المشروع الاستعماري وتوسعه في الشرق) اليهودي الفرنسي مكسيم رودنسون. (إذ لو لم تكن الحركة الصهيونية موجودة لخلقتها بريطانيا لأن لها مصلحة بوجودها ) الزعيم الصهيوني وايزمن. واليوم أصبح الحال (لقد دعمت الولايات المتحدة شأن بريطانيا إسرائيل كحليف للغرب في المنطقة) السوفييتي أوبرين.( فهي كنز وحليف استراتيجي ) ريغن، بل وهي تتماهى في بنية العولمة الأمريكية وإمبراطورية الاحتكارات...

إضاءات سريعة على سياق تاريخي

1) تشير الآثار المصرية إلى الهجرات العربية من الجزيرة إلى بلاد الشام منذ 5 آلاف سنة، وتتضمن الوثائق الأكادية العراقية ما يشير إلى غزو فلسطين ومحاربة العرب منذ 4200 سنة. وثمة آثار في أريحا تعود إلى 10 آلاف سنة وبيسان 7 آلاف سنة ويبوس والخليل وشكيم نابلس منذ 6 آلاف سنة وعكو واشدود ويافي منذ 5 آلاف سنة... والياس شوفاني في (موجز التاريخ السياسي لفلسطين) يتحدث عن 200 مدينة كنعانية. أما محمد غوشة في ( القدس اليبوسية) فيتعرض للعصر الحجري حيث عثر المنقبون على هياكل عظمية تعود ل 150 ألف سنة وعن آثار الإنسان العاقل 40 ألف سنة في مغارة الواد، وإنسان الجليل 25 ألف سنة والزراعة وتدجين الحيوانات 12 ألف سنة، الأمر الذي يؤكده ( السواح ) في لغز عشتار. ناهيكم عن مدافن وأسرجه وأدوات منزلية ورسومات ومناجل وقبور تحوي أشياء شخصية مخضبة وفخاريات...(الياس الشوفاني).

تميزت فلسطين بموقعها الإستراتيجي الذي يتوسط القارات القديمة الثلاث، الأمر الذي جعل الإمبراطوريات (الفرعونية، الآشورية، الفارسية، الإغريقية، الرومانية) تتناوب عليها. وملفت هنا تحالف القيادات الكنعانية في معركة مجيدو التي صمدت في الحصار سبعة أشهر، كعلامة جنينية على هويتهم الوطنية، ما قبل استسلامهم لجيوش فرعون تحتمس الثالث الذي ذكر سجله العسكري اجتياح 114 مدينة. وثار الكنعانيون وأهالي البلاد من قبائل عربية، عمورية، أموريه، عماليق... على الفراعنة في زمن رعمسيس بعد أن أنهكتهم الضرائب والحملات التأديبية...

استنادا لإلياس شوفاني، فالعبرانيون أو العابرون هم قبائل عربية بدوية ينطبق عليهم ما ينطبق على سواهم من هجرات قصدت الانتقال من الصحراء إلى الخضراء. أما إبراهيم فيرتد إلى عشيرة كلدانية-عراقية ومن سلالته ظهر يعقوب والأسباط وصولا إلى موسى والمعتقدات اليهودية، وثقافتهم أسوة بثقافة سواهم من التجمعات إنما تفاعلت مع بيئتها ومحيطها. ذكر سفر القضاة التوراتي ( أقام بنو إسرائيل بين الكنعانيين و الحثيين والأموريين و اليبوسيين... وعبدوا البلعيم وعشتاروت والهة أرام وصيدا... والهة الفلسطينيين) وإسرائيل لفظة كنعانية شأن نسرين، شمس، يد، جبل... وجدت طريقها إلى العربية التي نشأت بعدئذ.

جاء في التوراة التي كتبت على امتداد مئات السنين (لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى نهر الفرات) وفي سفر تثنية (أمر الرب باحتلال الأرض من البحر الأبيض إلى الفرات ومن النقب إلى شمالي لبنان) أما التلمود شارح التوراة الذي كتب خلال ألف سنة (البحث عن الحقيقة-عصام قصاب) فقال (أن اليهود شعب الله المختار أما الآخرون فحيوانات، والعرب حقراء). وفي جزء المشتا جاء (الفرق بين الإنسان والحيوان هو بقدر الفرق بين اليهود وباقي الأمم)(التسوية الجارية-إدارة أزمة أم حل أزمة- أحمد قطامش).

الشيء الذي يتكرر في مراجع تاريخية عديدة أن قبائل عبرية-موسوية-يهودية هي جزء من نسيج المنطقة وتاريخها أما رواية التوراة عن مملكة مترامية الأطراف في زمن سليمان فهذا يدحضه عالم الآثار الإسرائيلي فلنكشتاين الذي كتب (لا يوجد أي شاهد تاريخي على وجود إبراهيم أو مملكة من النيل إلى الفرات، فهذا مجرد خيال ووهم) بما يتقاطع مع سميح الصليبي في مؤلفه (التوراة جاءت من الجزيرة العربية) الذي ينفي وجود هيكل سليمان في القدس الذي لم تعثر عليه الحفريات حتى اليوم، مثلما يطعن سيد قمني (إسرائيل-التوراة-التاريخ) في مسألة الخروج الحاشد من مصر وينظر لها مجرد أسطرة تتناقض مع رواية التاريخ.

2) شكل العنصر العربي في فلسطين ما قبل الفتح الإسلامي، الغالبية العظمى. فالهجرات الجزيرية إليها تواصلت، وما تبقى من عناصر إغريقية، رومانية، فارسية، فرعونية ما قبل تعريب مصر، هم أقليات استمرت فيما ذهبت إمبراطورياتها. ويسجل الأكاديمي خليل عثامنة (خمسة قرون من الفتح الإسلامي) أن الهجرات العربية إلى فلسطين قد بلغت الذروة في القرن الأول قبل الميلاد على أثر انهيار مملكة الأنباط وتحطيم البتراء عام 160م ووجود أغلبية عربية وتمردات القبائل العربية اضطرت الحكم الروماني في أواخر القرن الخامس الميلادي على تعيين أمير الغساسنة الجفاني سيدا على مساحات واسعة من بلاد كنعان. وأن الحروب الطاحنة بين الرومان والفرس قد استنزفتهما وهيأت لعرب الجزيرة في زمن الخليفة عمر بن الخطاب السيطرة على بلاد الشام والنهرين ووادي النيل وتعريبها لغة ودينا، الشيء الذي أشار له حسين مروة (النزعات المادية) بأن جيوش ذات منبت رعوي هزمت جيوشا تنتمي لحضارة زراعية... وكانت أغلبية جند المسلمين من اليمن وثلثهم قيسية من نجد والحجاز. وكان في فلسطين حينذاك 30 مدينة وقرية، يقطن في القدس 80 ألفا وفي المدن الأخرى بين 40-50 ألفا استنادا لرسالة ملك الروم هرقل... ناهيكم عن القبائل البدوية. وقد انتعشت الحياة الزراعية وأقيمت قرى جديدة في الزمن الأموي كما انتشرت اللغة العربية وغدت وسيلة التخاطب والتواصل. ويشير خليل عثامنة إلى أن معظم أهالي البلاد باتوا مسلمين بعد ثلاثة قرون فيما انحسرت الديانة المسيحية، أما الأقلية اليهودية فقد رحبت بالفتح العربي الإسلامي ورأت فيه مخلصا من الرومان الذين كانوا قد طردوا اليهود من القدس ومنعوهم من العبادة وعاملوهم كأفراد يتبعون الزعيم المسيحي المحلي. وقد طردهم المسلمون أيضا من القدس ولم يسمحوا لهم إلا بعد أربعة قرون من بناء كنيس في جبل الزيتون ونقل مجمعهم السنهدرين من طبريا إلى القدس (خليل عثامنة) وأصبح بعض رموزهم من حاشية الخلفاء الفاطميين، غير أن أعدادا منهم قد هاجروا إلى العراق ومصر في زمن الاحتراب بين الحركة القرمطية والطائيين في القرن 11 للميلاد، وقبلئذ حروب قيس ويمن.

نستدرك، أنه على امتداد قرون من العهد العربي، لم يكن لليهود شأن ملموس في الحياة الاقتصادية أو السياسية، فوجودهم هامشي فيما يدور الصراع بين "الكبار" من أمويين وعباسيين الذين حكم كل منهم نحو 90 عاما، وكذا ثورات القيادات الفلسطينية على الخلفاء (السفاح، المعتصم، المعتز، المعتمد، وسلسلة تمردات تفاقمت في العهد العباسي في غير ولاية عربية وأندلسية) (الياس الشوفاني-مرجع سابق).

أما الصراع بين الإخشيديين حكام مصر والعباسيين حكام بغداد فقد أدى إلى تقسيم فلسطين، شمالا للعباسيين وجنوبا للإخشيديين الذين سيطروا لاحقا على الشمال ما قبل التمدد القرمطي من البحرين إلى فلسطين وبلاد الشام حيث دار قتال مرير معهم ومع الفاطميين من بعدهم وفي القرن 11م تمدد السلاجقة من أصل قرغيزي إلى أواسط آسيا وبلاد الشام وقهروا الفاطميين في معركة الرملة.

قصارى القول، لقد تعرضت فلسطين لحروب ضارية أنهكت قواها وجعلتها لقمة سائغة للغزو الأوروبي الإقطاعي الذي تلفح بالصليب وزحف عام 1099م حيث سقطت سوريا وفلسطين وارتكبت مذبحة كبرى في القدس راح ضحيتها عشرات الآلاف منهم أقلية يهودية. وقد صور أحد شعراء القرون الوسطى المجزرة بالقول(الإفرنج يجوسون المدينةشاهري السيوفلا يشفقون على أحد...) غير أن القائد العربي صلاح الدين بعد أن نجح بتوحيد مصر وسوريا راح يشن هجمات مبرمجة إلى أن انتصر في معركة حطين عام 1187م وحرر معظم فلسطين. وكانت المعركة منعطفا نوعيا أكد على قدرة العرب على الصمود والانتصار على تحالف الجيوش الأوروبية.

شن "الصليبيون" حملة جديدة بين 1189-1192 وسيطروا على عكا ومدن فلسطينية ولبنانية، وحملة أخرى عام 1215 حيث وسعوا نطاق إحتلالهم ونفوذهم... إلى أن صمد المصريون وحرروا غزة فيما الخوارزمية الإيرانيون حرروا القدس. تنامى نفوذ المماليك ذوي الأصول التركية وحكموا مصر وبلاد الشام لمدة قرنين وتميزوا بانتصاراتهم على الفرنجة الأوروبيين في الحملة السادسة والسابعة كما هزموا المغول الذين كانوا قد دمروا بغداد واحتلوا بلاد الشام.

انتهى حكم المماليك عام 1516م بعد أن استنزفتهم الصراعات الداخلية، فيما صعد العثمانيون الذين تعود أصولهم لآسيا الوسطى. لقد احتلوا القسطنطينية عام 1463م وراحوا يقاتلون البيزنطينيين والمغول والممالك الإسلامية في إيران ومصر وتوجهوا غربا إلى أن سيطروا على بلغاريا ويوغسلافيا وأثينا.لم تقاوم فلسطين الزحف العثماني فيما عدا بعض المدن.

يعدد الأكاديمي عادل مناع في (تاريخ فلسطين ف أواخر العهد العثماني) إلى أربع مراحل:

1- العصر الذهبي حيث انتعاش الاقتصاد واستتاب الأمن في القرن 16.

2- المرحلة الإنتقالية في أواخر القرن 17.

3- فترة الزعامات المحلية في القرن 18.

4- إدماج الإمبراطورية العثمانية في النظام الرأسمالي في القرن 19.

حري بالإشارة أن السلطات العثمانية دعمت العوائل الفلسطينية المحلية بعد أن فشلت ثورة ظاهر العمر الزيداني الذي تمرد على الآستانة متحالفا مع الحكم المصري في محاولة استقلالية استمرت عشرات السنوات، وقد أيده الفلاحون والبدو واليهود والنصارى متبعا سياسة من التسامح الديني. ولما تبدلت سياسة الحكم المصري تعرضت محاولته للاغتيال وهو للقتل عام 1775م، وبذلك انتهت صفحة جاءت شاهدا على نمو الكيانية الوطنية.

وفي 1800 صمدت عكا أمام حملة نابليون مثلما قاومت مدن أخرى، ولم يفلح نابليون الذي دعا في بيان له من القاهرة (يهود الشرق للانضواء تحت الراية الفرنسية لإعادة بناء مملكة أورشليم). أما قوات محمد علي حاكم مصر الذي أدخل إصلاحات برجوازية أسماها إميل توما (محاولة للتحديث على أساس دولة مركزية) بما في ذلك إلغاء الجزية عن اليهود والمسيحيين، فيما وصفه ماركس (بأنه استبدل العمامة الشرقية برأس حقيقية) فقد سيطرت ليس على وادي النيل فقط بل وعلى بلاد الشام والجزيرة العربية.

رحبت جماهير المشرق العربي بحملة ابنه إبراهيم عام 1833م وبادرت إدارته بتجفيف المستنقعات وتشجيع وتنظيم القضاء، كما قلصت دور المشايخ والأمراء لصالح السلطة المركزية. أما قتال قواته ضد العثمانيين فقد أفضى إلى تعميق المشاعر القومية العربية، بما أشعل ناقوس الخطر لدى وزير خارجية بريطانيا بالمرستون الذي كتب (ليس من مصلحة بريطانيا بروز ملك عربي يوحد العرب ويفتت تركيا بما يهدد الطريق إلى الهند ).

هاجمت الجيوش البريطانية-العثمانية ومعها قوات إقطاعيين محليين وفئات تضررت من الضرائب والتجنيد الإلزامي، فتقهقر مشروع محمد علي وعادت بلاد الشام بما في ذلك فلسطين للسيطرة العثمانية عام 1840.

بعودة الحكم العثماني تنامى النفوذ الأجنبي القنصلي والتجاري والتبشيري وظهرت مقالات متكررة تدعو لإقامة قاعدة يهودية في فلسطين.

جرى توزيع فلسطين على ثلاث سناجق وتأجج الصراع بين قيس ويمن وتنامى نفوذ العوائل الإقطاعية.

يسجل عادل مناع التقسيم الطبقي على النحو التالي في أواخر القرن التاسع عشر (فلاحون، إقطاعيون، عمال زراعيون، أقنان، بدو، برجوازية صغيرة تجارية ومالية، بيروقراطية إدارية، رأس مال أجنبي ويهودي) أما عدد السكان فكان نحو 470الفا عام 1880 يقطن 20% في المدينة و70% في الأرياف و10%في الصحراء. أما المسلمون فهم 85% والمسيحيون 11% واليهود 4%، فيما أصبح السكان 650الفا عام 1906.

3) تشكلت عناصر الهوية الوطنية الفلسطينية العربية على امتداد تاريخي طويل. فمن جهة تفاعلت الأقوام والقبائل التي استوطنت الجغرافية الفلسطينية، شحذها تعرضها لغزوات متتالية بما توالد عنها من نضالات ومعانيات مشتركة، ومن جهة أخرى تفاعل الوجود المجتمعي الفلسطيني مع بيئته المحيطة سواء الهجرات العربية القديمة أو الحكم العربي أي منذ القبيلة المرتحلة والقرى المشاعية كما يسميها طيب تينريني مرورا بالقرى الزراعية وما يصاحبها من تبادل تجارب وصناعات حرفية وصولا إلى الإقطاعيات وظهور علاقات الإنتاج الرأسمالية التي قطع سياقها المشروع الاستعماري الغربي والمشروع الصهيوني (كقاعدة أمامية لأوروبا) هرتزل.

لقد سادت اللغة العربية كركن ركين في الهوية القومية، وتوحد الوطن العربي مع الأوطان العربية تحت سلطة سياسية مركزية شملت العرب وسواهم بما توالد عن ذلك من ثقافة مشتركة وحياة اقتصادية مشتركة.

 ( لأمة العرب سياق حضاري مجتمعي مختلف عن سياق المجتمعات الغربية) جورج حبش. بما هو شبيه بنمط الإنتاج الآسيوي الذي عرفته الصين والهند... حيث تتداخل العبودية والإقطاع بقيادة سلطة مركزية بيروقراطية وخصائص قومية. وكانت الأراضي كأهم وسيلة إنتاج موزعة على الدولة والوقف الإسلامي والملكيات الخاصة.

تميزت فلسطين بتنوع عناصرها الدينية التي شكلت نسيجها المجتمعي كما أزياؤها وأطعمتها ولهجاتها وأمثالها الشعبية وحكاياها الأسطورية وفنونها وعاداتها في إطار الشخصية الكنعانية الأوسع والعربية الإسلامية الأعم.

ليست الهوية الفلسطينية شيئا متخيلا أو مقحما، بل هي حقيقة واقعية تكونت في محطات كبرى على امتداد آلاف السنين، وهي لم تنفك تتكون بتأثير رياح العصر (فالهوية تتحول ويصنعها الإنسان) أدونيس.وجدل الذات وجدل الواقع كما جدل المحيط والعوامل الخارجية تضافرت لصنعها. وكان للغزو الصهيوني في القرن الأخير تأثيره الدامغ عليها، بما اتسم به من استيطان كولونيالي واقتلاع عنصري شرد معظم الشعب واغتصب معظم الوطن، في تحالف مع الاستعمار البريطاني حينا والإمبريالية الأمريكية حينا آخر.

لقد سلخت الصهيونية اليهود الفلسطينيين والعرب عن هويتهم العربية وأحدثت قطعا تدميريا في السياق الفلسطيني بما إستولد وضعية صراعية يجري تجنيد قطاعات واسعة من يهود العالم، في خدمة أهداف سياسية استعمارية علما أن (اليهود لا ينتمون لتشكيل حضاري واحد وليس لهم تاريخ واحد ولا انتماء ثقافي واحد ولا يعيشون على جغرافيا واحدة ولا يتكلمون لغة واحدة ولا يعملون في سوق واحدة) عبد الوهاب المسيري. إن إضفاء طابع ديني على الصراع يعيد التاريخ قرون للوراء ويحكم عليه بالمؤبد دون حل بينما (الاستيطان اليهودي في فلسطين الانتدابية جاء في سياق نقل فائض بشري إلى آسيا، إفريقيا، أمريكا وتم تحويله لوظيفة استعمارية تخدم مصالح الغرب... ودعم الولايات المتحدة لإسرائيل يأتي في سياق الارتباط العضوي بين المشروع الصهيوني والاستعمار الأنجلو ساكسوني) المسيري. وعليه إن إزاحة الطابع الاستعماري العنصري عن المجتمع اليهودي في فلسطين هو المقدمة التي تفتح في المجال حلا للصراع.

4) تعرضت فلسطين وطنا وشعبا لنكبة كبرى عام 1948، فالتحالف البريطاني الصهيوني الذي تجلى واضحا في وعد بلفور الذي منح اليهود (وطنا قوميا في فلسطين) ترجم نفسه بموجات من الهجرة اليهودية وإقامة مؤسسات اقتصادية وتعليمية وعسكرية. وكان يدور الصراع بين عقلية رأسمالية أوروبية استعمارية وعقلية فلاحية تقليدية إلى أن تمخض عن نكبة حلت بالفلسطينيين. فاليهود الذين كانت ملكيتهم من الأرض 5,6% حسب الوثائق البريطانية ونحو 30% من السكان تمكنوا من اقتلاع وتشريد65% من الشعب الفلسطيني واحتلال 78% من الأرض بما عليها من أملاك ومنازل و...لقد "سرقوا دولة" سعيد زيداني، وقطعوا الطريق على "مشروع حداثي" عزمي بشارة، وجرى ضم الضفة الغربية لإمارة شرقي الأردن فيما وضع قطاع غزة تحت الإدارة المصرية، وحكومة عموم فلسطين التي تشكلت بعد النكبة لم تصمد أكثر من عام.

هذا المنعطف النوعي هو الجذر والجوهر، وتفريع الجوهر أو جوهرة الفرع لا يعالج الجذر. كأن يقال أن القضية الفلسطينية بدأت عام 67 حينما احتلت التوسعية الإسرائيلية الضفة وغزة وأراض عربية أخرى. فالقضية ترتد إلى مرحلة سابقة ومعلمها الأبرز التطهير العرقي الذي تعرض له الفلسطيني عام 48 وأكده قرار الأمم المتحدة 194 الذي دعا صراحة (لعودة اللاجئين وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم). ولم تفتأ 90% من اراضي الفلسطينيين مهجورة و7% آهلة جزئيا بالسكان فيما 3% مكتظة حسب الخرائط التي عرضها سلمان أبو سكة على مجلس العموم البريطاني. فالمشروع الصهيوني وإن كان يهيمن على فلسطين فالمجتمع اليهودي يتموضع في 15% من الجغرافيا.

وتكاد تتشابه التطبيقات السياسية الصهيونية في الأراضي التي احتلت عام 67 بسياساتها التطبيقية في الأراضي التي احتلت عام 48 أي الإستيلاء على الأرض واستيطانها. فالمستعمرات اليهودية مقامة على مساحة 6% من الضفة وغزة ناهيكم عن الشوارع الالتفافية، فيما مسطحات القرى والمدن الفلسطينية تبلغ 12%، ناهيكم عن ضم القدس الشرقية التي تبلغ مساحتها 17% وزرعها بأسيجة استيطانية ناهز عدد سكانها 200الفا بما يزيد 30الفا عن عدد السكان العرب. أما الجدار العنصري التوسعي غربي وشرقي الضفة فهو يحاصرها ويجزئها إلى أربعة معازل جائعة، تتشظى معها السوق الفلسطينية ويصبح كل معزل مرتبط بتجارته وخدماته بالسوق الإسرائيلية أولا، ناهيكم عن فصل الضفة عم غزة وسلخ القدس بما ينتج عن ذلك من تفتيت للكيان الوطني بعد أن نجح أوسلو في خلق أولويات متناقضة للتجمعات الفلسطينية في الداخل والخارج.

إن المشروع الصهيوني في حالة هجومية ولم ترسم إسرائيل حدودها بعد . (لم تنته حرب الاستقلال) شارون.

ونتائج أوسلو باتت في غنى عن الشرح، فلم تقد إلى السلام أو الاستسلام، وبات الفلسطيني مستباح على كل الصعد حد الاغتيال الممأسس والتدمير الاقتصادي المنهجي وهدم أحياء مدنية ومخيمات تضم آلاف المنازل... أما وتائر مصادرة الأرض فهي أسرع، ناهيكم عن إقامة سلطة مشهورة بإخفاقاتها وفسادها، دون أن تنجح ولو في مرفق واحد(تأسيس تعليم عصري لا يقوم على التلقين والفلسفة البنكية)، تلفزيون متطور يجتذب المشاهد الفلسطيني فلا يتوجه للتلفزيون الإسرائيلي، تنظيم الشعب في مجتمع مدني لا إقصاؤه وتفكيك أطره، قضاء مستقل يؤكد على المواطنة المتساوية بدل إنعاش العشائرية والطائفية والجهوية و ملاحقة الفساد... إعادة هيكلة الموازنة لمواجهة معضلة البطالة التي ناهزت 40% وخط الفقر الذي ناهز50%... ناهيكم عن توحيد الإرادة في خط تحرري واضح الأهداف وتجديد قيادي يلبي متطلبات التنمية الصمودية وثقافة المقاومة و...الخ.

5) تبين الأرقام أن زهاء 5,5مليون يهودي يعيشون على أرض فلسطين الانتدابية، وهذه الملايين تشكل ثلث يهود العالم. مثل هذه النسبة كانت حينما هدم طيطس الروماني 70ق.م. الهيكل يشير المسيري.، علما أن هناك فرضيات أخرى تنفي وجود الهيكل في القدس أصلا.

والعنصر اليهودي هو المهيمن في إسرائيل. فمن ناحية الأرض ( يسيطر على 96% فالدولة تملك 94% من الأراضي والثروة المائية). كتب عزيز حيدر، بعد أن وضعت يدها على " أملاك الغائبين" أي الفلسطينيين الذين هجروا عام48، كما تملك 25% من القاعدة الاقتصادية وتشغل 25% من قوة العمل، إضافة لما تتلقاه من مساعدات خارجية تناهز 5% من الإنتاج القومي، أما عائدات الضرائب فتصل 45% من الموازنة.

تصل ملكية الهستدروت 25% وتشغل 25%من قوة العمل، وعضويتها إضافة للعائلات 58% من عدد السكان وأغلبية التأمين الصحي. عزيز حيدر.

وعن الملكيات الخاصة الرأسمالية والصغيرة فتشكل 50% من القاعدة الاقتصادية وقوة العمل بينما كانت تشغل 76% عام 65.

جدير بالذكر أن التحولات الهيكلية في الاقتصاد الإسرائيلي بين 70 و95 قد أدت إلى تراجع الزراعة من 16% إلى 2,4% والصناعة من 31% إلى 21% والبناء من 21% إلى 9% بينما ارتفع قطاع الخدمات إلى 63% تماشيا مع التحولات الرأسمالية العالمية وتناغما مع عصر العولمة.

بلغ النمو السنوي للاقتصاد الإسرائيلي نحو 10% في الخمسينات والستينات وزاد الاستهلاك 9% وأصبح في الثمانينات والتسعينات أقل من 3% وهو يراوح اليوم ارتباطا بحالة الاشتباك الانتفاضي.

عن التوزع الجغرافي يشير سلمان أبو ستة إلى أن 85% من اليهود يعيشون على 10% من الأرض وفيما تستوعب المدينة 80% من السكان ف 20% يتوزعون على تعاونيات وملكيات زراعية خاصة.

لقد خلق قيام "إسرائيل" أسئلة إشكالية وأجوبة إشكالية. من ناحية لقد سقطت فرضية أن فلسطين أرض بلا شعب، فهي لا تعدو كونها سخافة تنز دماً. و من ناحية ثانية فإسرائيل" مؤسسة على إيديولوجية عنصرية وسياسة عنصرية، وكل التجارب العنصرية التي عرفها التاريخ، بل وكان حاملها عنصر قومي قوي بدءا بالآشوريين... مرورا بالساكسونيين، عرجا على النازية وصولا إلى جنوب إفريقيا. فما بالكم (وإسرائيل مؤسسة على هوية إيديولوجية، والهوية الأيديولوجية لا محالة آيلة للزوال، فيما الأيديولوجية القومية مؤسسة على هوية محددة تاريخيا) أحمد البرقاوي. فهل تصمد العنصرية أمام وعي البشرية الذي تتلاقح فيه ثقافات تفضي إلى المزيد من الديموقراطية والعدالة الإنسانية؟

من ناحية ثالثة لقد استحدثت القضية الفلسطينية كقضية تحررية جذعها وفروعها ملايين الفلسطينيين الذين تتبلور شخصيتهم أكثر فأكثر إلى درجة يستعصي معها تبديدها أو تطويعها أو شطب مطالبها الجوهرية سيما العودة والاستقلال، إلى درجة أن يتقهقر راديكاليا وزن القيادات السياسية التي انتهكت هذه المطالب وأن تنفض الجماهير الفلسطينية عن مبادىء أوسلو الذي اكتشفت مضامينها من تجربتها الخاصة، وصولا إلى إخفاقات السلطة المنبثقة عنها...

فأكثر من 9 مليون فلسطيني في الوطن والشتات يتمتعون بقوة الوجود وطاقة كفاحية لا تنضب وأحلام لا تفتر للعودة والحياة الكريمة.هذا عبرت اليهودية شلوميت الوني بالقول (طالما يوجد احتلال توجد مقاومة) والمؤرخ الإسرائيلي كيمبرلنغ (إن من حق الشعب الفلسطيني استخدام القوة وساذج من يفكر بعكس ذلك.)

من ناحية أخري فإسرائيل معادية للتطلعات العربية التحررية والنهضوية والوحدوية، أي معادية للمستقبل العربي والثقافة العربية التي تأبى في نهاية المطاف الاستسلام والإستذلال. مثل هذا العداء إنما يذكي نيران الصراع. الأمر الذي لاحظناه بالعدوان على أراض عربية عام 67 واحتلال بيروت عام 82 والتحالف المكشوف مع الاحتلال الأمريكي في العراق. أما الرهان على تطبيع وتطويع الشارع العربي فهو من قبيل الوهم. فالعرب ينظرون لإسرائيل كجسم نشاز وقاعدة متقدمة للمخططات الإمبريالية، سواء لدوافع قومية أو دينية أو طبقية. ومن هنا نرى أن ربع قرن من توقيع كامب ديفيد مع نظام السادات لم يغير شيئا من موقف الشارع المصري والمثقف المصري، فليس ثمة مبادلات تجارية أو حركة سياحية إلى "إسرائيل" بل والأغلبية الساحقة ترفض هذه الاتفاقات. والحال نفسه ينطبق على الأردن بعد اتفاقية وادي عربة، أما أوسلو فأغلبية ساحقة من الشعب الفلسطيني تناهضها علانية ولا تلتزم بتوجهات السلطة الفلسطينية. واحتلال نصف لبنان إستولد مقاومة باسلة أدت بقوات الاحتلال بعد عقدين من الكفاح أن تتجرع كأس الهزيمة وتفر مذعورة دون قيد أو شرط، فالجنوب اللبناني أكد قدرة شعب صغير على الانتصار على التكنولوجيا العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية.

هذا ناهيكم عن الاحتياط الإقليمي الذي تحركه منظورات دينية ترى في فلسطين أرض وقف إسلامي وفي القدس مدينة مقدسة بما تحويه من رموز دينية. وجري بالتذيكر أن الخواريزمية الإيرانيين هم الذين حرروا القدس من الغزو الأوروبي الذي عاد بعد موت صلاح الدين الأيوبي. ولا يخفى على أحد تنامي وتيرة التناقض بين نظام طهران وتل أبيب ودعم طهران لحزب الله الذي خلق عقدة فيتنام ثانية.

وأخيرا لم تشكل إسرائيل حلا للمسألة اليهودية، فالذين قاوموا انصهار اليهود في الأمم الأخرى ورفعوهم إلى مستوى الأمة قالوا أن انفصالهم في دولة يؤمن لهم السلام مستذكرين اللاسامية والهولوكوست في أوروبا. غير أن إقامة إسرائيل على أنقاض فلسطين لم يؤمن السلام، فسلسلة حروب اشتعلت حتى اللحظة (48، 56، 67، 73) ناهيكم عن 82 وحرب الانتفاضة كما وصفها شامير. بل وبلغت خسائر إسرائيل البشرية في سنوات المواجهات الأخيرة أكثر من أي حرب خاضتها إسرائيل. والأمر نفسه ينطبق على الخسائر الاقتصادية وفقدان الأمن الفردي... وفضاء المستقبل مفتوح على حروب أوسع نطاقا وأكثر تدميرا ارتباطا بما بلغته التكنولوجية العسكرية.

وعلى الدوام إن الخسائر الفلسطينية-العربية اكبر، وعلى هذا النحو كانت خسائر الفيتناميين والجزائريين والسوفييت والشعب في جنوب إفريقيا... غير أن ذلك لم يمنع هزيمة الأمريكان والفرنسيين والنازية ونظام الأبارتهايد على التوالي.

ويهود إسرائيل هم أقل من ثلث يهود العالم، أي أن الثلثين امتنعوا عن الانفصال عن الأمم التي يعيشون بين ظهرانيها، وفي أمريكا أكثر مما في إسرائيل وفي نيويورك أكثر مما في "أورشليم" ونصف مدن إسرائيل.

وما قيل عن الصهيونية كحركة تحرر قومي وإسرائيل كواحة للديموقراطية، يمتلئ التاريخ بالشواهد والأحداث التي تفضح الطابع الاستعماري العنصري للحركة الصهيونية وتجسيدها المادي إسرائيل، مشروعا وفكرا وتحالفات وسياسات... وحسبنا التذكير برفض إسرائيل الرسمية والمجتمعية، باستثناء جيوب وأصوات، الاعتراف بالكارثة التي حلت بالفلسطينيين عام48 وحقهم بالعودة إلى ديارهم وممتلكاتهم، ناهيكم عن السياسة الإحتلالية العنصرية الدموية ضد الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة. حتى أن إقامة "دولة يهودية" اصطدم بحقيقة كبرى هي وجود 1,25 مليون فلسطيني فرضت عليهم جنسية إسرائيلية دون أن يعاملوا كمواطنين متساويين ولا ننسى أن 20% منهم هم "غائبون حاضرون" بعد أن اقتلعوا من 39 قرية وتجمع ناهيكم عن أهالي القدس الذين يعترف بهم كمقيمين وحسب.

فمن جهة ليس ثمة فرصة لإقامة دولة يهودية نقية لا في حدود 48 ولا في عموم فلسطين، ومن جهة أخرى لا تستقطب إسرائيل سوى ثلث اليهود.

6) يتكون المجتمع الفلسطيني في الضفة وغزة من 3,5 مليون نسمة ونحو1,25 مليون في 48. أثبتت الهبة المشتركة في أكتوبر 2000 توحدهما حيث امتزج الدم الفلسطيني كما تنامي العلاقات الاقتصادية والاجتماعية رغم إجراءات الاحتلال القمعية وسياسة "فرق تسد".

والتركيبية الطبقية في الضفة وغزة تشير إلى 5-6% أرباب عمل برجوازيين من أصحاب شركات وصناعات وتعهدات... و30% عاملين في مشروعاتهم الخاصة من أصحاب حرف وتجارة وزراعة... ونحو 15% بين مثقفين وموظفين وأخيرا 40% عمال مأجورين. أما نسبة المرأة في العملية الاقتصادية فتتراوح بين 10-12% فيما أغلبية النساء ربات بيوت ويكد من في العمل المنزلي وغير الرسمي.

وتناهز قوة العمل 800 الف نحو 300 الف دون عمل و 160 الف في القطاع الحكومي منهم 30% اجهزة امنية وميليشيات، وحوالي 50 الفا في المشرروعات اليهودية اغلبيتهم من منطقة القدس ، يتمركزون في ورش البناء بينما كانوا 150 الفا قبل سياسة الأطواق والتجويع، ونحو 300 الفا في الإقتصاد الوطني و30 الفا في المنظمات غير الحكومية و 15 الفا في وكالة الغوث .

وتتوزع قوة العمل على 17 % صناعة و اكثر من 90 % في ورش عائلية وانتاج بضاعي صغير ، اغلبيتهم تتمركز في الصناعة التحويلية للحياكة والملابس، فيما ينظر لصناعة الحجر كقطاع طليعي .

وهذا حال الزراعة 16% تكدح اللاغلبية في الأرض موسميا وتعمل كإجراء في قطاعي البناء والخدمات، اما العمال الزراعيون فهم كما البرجوازية الزراعية قطاع محدود ، وهذا حال الفلاحون ، بينما ينظر لشجرة الزيتون كقطاع طليعي . اما الزراعة فتسهم ب 6% من الإنتاج الوطني .

واخيرا ، تستوعب ورش البناء 12 % من قوة العمل والتجارة والمطاعم 18% والنقل والمواصلات 5% والخدمات 30% ( دائره الإحصاء الفلسطينية ) . والتجارة الأساسية مع السوق الإسرائيلية بنسبة 73% واقل من 2% مع السوق العربيية ونحو 25% مع السوق العالمية .

ويقطن المدن 45% والمخيمات 16% غالبيتهم في قطاع غزة حيث يشكل اللاجئون 67% والباقي في ارياف الضفة ذلك ان قطاع غزة دون ارياف تقريبا .

لقد كان لمرحلة اوسلو اوسع الآثار على البنية الإقتصادية _ الإجتماعية ، ناهيكم عن نتائجها السياسية والثقافية. فقد انخفض الناتج المحلي20% من 1994 و1999 ( تقرير الأمم المتحدة ) و 30 % بين 1999_ 2003 ( البنك الدولي ) فيما انخفض نصيب الفرد 30% بين 1994 و2003 . وبلغت الخسائر الإقتصادية نتيجة الإجتياحات والتوغلات وما صاحبها من تدمير منهجي وتقطيع اوصال واطواق ناهزت 240 طوقا اكثر من 12 مليار دولار ، والفقر ناهز 60 %

ولكن ثمة فئة اجتماعية جديدة انتقلت طبقيا لأعلى و هي الشرائح العليا في القطاع البنكي الذي ناهز 22 بنكا توزعت على 76 فرعا بودائع بلغت 4 مليار دولار جرى تسريب 3 منها للخارج . بيروقراطية الآلة وزارات واجهزة السلطة ، المنظمات غير الحكومية الممولة اجنبيا ، وكلاء الشركات الإسرائيلية والأجنبية من الكمبرادور سيما وان التجارة مع السوق الإسرائيلية ارتفعت من 700مليون الى 2 مليار دولار سنويا 40% سلعا بذخية الجامعات التي تضاعفت قاعدتها الوظيفية ، الفضائيات ومراكز البحث والإعلام … وهذه كلها قطاعات غير انتاجية ومداخل النافذين فيها هي اضعاف رواتب قاعدتها الوظيفية ومتوسط الدخل في المجتمع بما لذلك من اثار فكرية وسياسية الى درجة ان يراهن بوش على (المواهب الفلسطينية) وان يعتبر بيرس " المصالح الإقتصادية المشتركة اهم من السلام ".

ولكن كل هذه المتغيرات وسواها, ومهما اسفرت دينامياتها فهي لا ترقى لمستوى الحيلولة دون انبثاق ارادة شبابية مقاومة تعيد انتاج نفسها بألوان واشكال مختلفة ، وتشبث الإغلبية الساحقة بالحقوق الوطنية وفي المقدمة منها حق العودة. بل وتبخز مؤتمر جنبف وازلامه قبل ان يجف حبره وتقابل اية انحناءات سياسية قيادية بفعاليات على الضد منها .

وعن الجماهير الفلسطينية في م 48 فلم تنجح ( فلسفة بن غوريون وبكلمات اسرائيل شاحاك _ التي كانت تقوم على طرد كل الفلسطينيين ) في استئصالهم . فقد صمد نحو 150 الفا اصبحو اليوم 1,25 مليون نسمة. وان اعلان اسرائي

09/05/2006
0 Poster un commentaire

A découvrir aussi


Inscrivez-vous au blog

Soyez prévenu par email des prochaines mises à jour

Rejoignez les 2 autres membres