الرسول الد ا عية في القرأن الكر يم

 الرسول الداعية في القرآن الكريم

الرسول الداعية في القرآن الكريم

الهدف من دراسة تاريخ الدعوة:

ليس الهدف من دراستنا لتاريخ الدعوة هو الرَّغبة في تحليل شخصيات تلك الفترة المشرقة من تاريخنا الإسلامي من زاوية ثقافيّة مجرّدة كما جرت عليه العادة في دراسة الكثيرين للتاريخ الذي لا يرتبطون به رسالياً كجزء من دراسة منهجية مقررة، لأنَّ عملية الرجوع إلى التاريخ تمثّل جهداً فكرياً وعملياً كبيراً لا يتناسب مع أساليب الترف الثقافي، باعتبار أنَّ الدراسة ترتبط بالخطّ العملي لحياتنا المستقبلية لجهة كونه تاريخ حياة لا تاريخ مرحلة.. لذلك يجب أن نتلمس في خطوات هذه الدراسات الملامح الأصيلة لفكرة الدعوة الإسلامية وأساليبها العملية أولاً، والطبيعة الذاتية لشخصية الرسالة من خلال شخصية الرسول ثانياً، والأجواء الروحية والنفسية التي تعيش في داخل الداعية أمام التحدّيات التي تواجهه أو الصعوبات التي تعترضه، أو الأزمات التي تلاحقه ثالثاً.

وبذلك يمكننا تصحيح المسار في كثير من وسائلنا وخططنا العملية، التي نلمح في بعض جوانبها قوّة دفع للحاضر في اتجاه المستقبل، ولا سيما عندما تكون الدراسة للشخصية النبويّة في ملامحها الذاتية من الداخل، وفي ملامحها الرسالية من الخارج، وفي الخطوط العريضة لحركتها في الحياة المرتبطة بالرسالة..

المصدر الأصيل لدراسة الدعوة:

أمّا فيما يخص المصدر الأصيل الذي يجب اعتماده، فثّمة من ذهب إلى اعتماد القرآن، وآخرون ذهبوا إلى اعتماد كتب السيرة منفردةً، وإلى جانب القرآن تارة أخرى. ومما لا شك فيه، أنَّه لا بُدَّ في دراستنا لتاريخ الدعوة الإسلامية من الرجوع إلى القرآن الكريم كوثيقةٍ أساسية ثابتة، باعتباره الكتاب الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنَّ اللّه تكفّل بحفظه من التحريف والزيادة والنقصان، وذلك كما جاء في قوله تعالى: {إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون} (الحجر:9)، كما أنَّ الكتاب المجيد يعتبر تاريخاً حيّاً للرسالة والرسول، باعتبار أنَّه انطلق في أكثر آياته من حاجة الرسالة العملية إلى التوجيه والتركيز والتثبيت الداخلي لروحية العاملين لكي لا تنهار معنوياتهم ليتمكنوا من الثبات، ومن ناحية أخرى، انطلق من حاجة الرسالة العملية، فوضع التصورات والحلول للمشاكل الصعبة التي كانت تعترض المجتمع الإسلامي.

ما نستوحيه من قوله تعالى، في حديثه عن بعض أهداف القصص القرآني الذي يتحدّث عن النبيّين وعن تاريخ النبوات: {وكلاًّ نقصُّ عليك من أنباء الرسل ما نثبِّت به فؤادك وجاءك في هذه الحقّ وموعظة وذكرى للمؤمنين} (هود:120). ومن قوله تعالى، في حديثه عن السر في نزول القرآن على دفعات متفرقة: {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً ولا يأتونك بمثلٍ إلاَّ جئناك بالحقّ وأحسن تفسيراً} (الفرقان:32ـ33).

أمّا كتب السيرة، فإنَّنا لا نجد الوثاقة المطلقة، ولا الصورة الكاملة التي تنقل لنا الأجواء العامة للدعوة بصدق وأمانة، لأنَّها كانت عرضة للتيارات المتنوعة التي فرضت نفسها على التاريخ الإسلامي، وللجوانب الذاتية التي تطبع شخصية المؤرخ والمحدّث، الأمر الذي يفرض على الباحث أن يأخذ جانب الحيطة والحذر، وهذا ما يشعره بالحاجة إلى التوقف كثيراً عند كثيرٍ من مضامين الأحاديث وأسانيدها، فإذا أحرز الصدق في الكلمة من بعض الرواة، فإنَّه لا يحرز ـ تماماً ـ الشمول في النظرة والسلامة في التقييم، لاعتبارات شتّى؛ إمّا لأنَّه قد يهتمّ ببعض جوانب التاريخ ويهمل البعض الآخر، أو لأنَّه قد لا يجد في هذا مصدر أهمية في تصوير العظمة الذاتية للشخص أو للموقف، أو لأنَّه لا يملك النفاذ إلى أعماق الأمور، أو الامتداد إلى جميع آفاقها الرحبة الواسعة، ما يجعله ينظر إلى الأمور نظرة سطحية.

وقد يواجهنا ـ في هذا الاتجاه ـ بعض المؤرخين الذين يهتمون بالحديث عن القضايا التي تدخل في نطاق الغيب، فيلجأون إلى تفسير بعض الوقائع والقضايا والظواهر بمختلف أنواعها من خلال أحاديث الكرامات والارتباطات المتنوعة بالمخلوقات الخفية من الجنّ والملائكة، ويغفلون ـ في الوقت نفسه ـ الحديث عن الجوانب الموضوعية المحيطة بالموقف، ما يخلق أمامنا الكثير من الاهتزاز في الصورة، ويبعدنا عن التصوّر الطبيعي للقضية، الأمر الذي يمهِّد للتاريخ أن يقع في قبضة الغيبيات المطلقة، لأنَّ قضية الإيمان بالغيب الذي هو من العناصر الأساسية في تفكيرنا الديني، لا عني اعتباره تفسيراً شاملاً لكلّ الظواهر الاجتماعيّة والعسكريّة والسياسيّة، بل تعني اعتباره حقيقة قائمة في خلق اللّه كمبدأ أصيل في مقابل القائلين باستبعاده نهائياً من حركة الحياة. ومن خلال ذلك، كان الاتجاه القرآني يؤكّد على استبعاد الصفة الغيبية لممارسات النبيّ، سواء في طاقاته الفكرية أو الجسدية، والاكتفاء بالتركيز على الوحي كعنصر يزوّد النبيّ بما يريد اللّه أن يبلّغه للآخرين، أو يعلّمه في نفسه في ما تحتاجه الرسالة في مواقف الدعوة وفي خطوات القيادة.

وقد شارك هذا الاتجاه بتأصيل جانب القدوة والأسوة بالنبيّ، باعتبار أنَّ خطواته سائرة في صعيد الواقع الذي يمكن لأيّ إنسان مسلم أن يحتذيه ويمارسه، لا في صعيد الغيب والأسرار الخفية المختصة بالنبيّ ممّا لا يمكن للآخرين أن يفهموه أو يمارسوه.

وقد يكون من ملامح هذا الاتجاه ما نجده في تصوير القرآن الكريم للأحداث التي عاشها الإنسان في أزمنة النبوّات الأولى، وتحليله لها من خلال الخطوات المستقيمة أو المنحرفة، واعتبارها درساً يمكننا أن نتفهمه لنستفيد منه في ما نستقبل من أعمال وفي ما نواجهه من أحداث.

وإنَّنا إذ نقرر ذلك؛ لا ندعو إلى إهمال كتب السيرة واستبعادها عن دائرة البحث والدراسة للتاريخ الإسلامي، لأنَّها تساعد في كثير من الحالات بل في أكثرها، على توضيح التفاصيل الدقيقة لبعض الصور والأحداث، ولكن كلّ ما نريد تقريره هو اعتبار القرآن أساساً للتصوّر الإسلامي للقضايا التي تحدّث عنها، بحيث تكون الأجواء القرآنية هي المصدر الأساس في طبيعة القضايا من حيث ملامحها العامة والخاصة. ففي الوقت الذي تثير فيه السيرة أمامنا الكثير من التفاصيل، نلتفت إلى القرآن لنفهم من خلاله ما توحيه الكلمة القرآنية من عمقٍ وشمول وامتداد الأجواء الروحية الداخلية والخارجية للأحداث. كما أنَّ هناك فرقاً كبيراً بين أن ينقل اللّه لنا أجواء الفكرة أو القصة، وبين أن يحدّثنا عنها كتّاب السيرة مهما كانت منزلتهم.

الأهداف العامّة للنبوّات:

ومن أجل استيحاء الملامح الأصيلة لشخصيته ولأسلوبه العملي في الدعوة إلى اللّه، نحاول في هذا المجال القيام بدراسة قرآنية جادّة حول موضوع الرسول الداعية، وهذا ما يستدعي منّا قبل الولوج في البحث، أن ندرس أهداف الرسالة العامة للنبوّات التي حدّدها القرآن الكريم في أكثر من آية، لأنَّ ذلك هو الذي يفسّر لنا الكثير من أسرار الشخصية النبوّية في مواقفها وأساليبها.

1 ـ {كان النّاس أمّة واحدة فبعث اللّه النبيّين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحقّ ليحكم بين النّاس فيما اختلفوا فيه} (البقرة:213).

2 ـ {إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ لتحكم بين النّاس بما أراك اللّه ولا تكن للخائنين خصيماً} (النّساء:105).

3 ـ {قد جاءكم من اللّه نور وكتاب مبين * يهدي به اللّه من اتَّبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} (المائدة:15ـ16).

4 ـ {لقد منّ اللّه على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (آل عمران:164).

5 ـ {لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم النّاس بالقسط} (الحديد:25).

6 ـ {الذين يتّبعون الرسول النبيّ الأميّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} (الأعراف:157).

وممّا يلاحظ في هذه الآيات، أنَّ أهداف النبوّة تشمل الحياة كلّها وتستهدف تغيير معالمها باتجاه النهج القويم إلى درجةٍ يشعر معها الإنسان بالنور المتدفّق من كلّ مكان يتحدَّى كلَّ غياهب الظلمات، وبتعبيرٍ آخر، ليعيش روحية الإسلام بأنواره، من خلال تشريعه العملي الذي يركِّز خطوات السَّلام على أرضٍ طاهرةٍ صلبة، ومن خلال تزكيته لضمير الإنسان وفكره وحياته من أجل صنع شخصية الإنسان الزكية الطاهرة التي تتحرّك في الحياة ليعيش الانفتاح على اللّه في لطفه وعفوه ورضوانه، والانطلاق مع تعاليمه الممتدة في آفاق الإنسان الرحبة، المرتكزة على أساسٍ من الواقعية والحكمة في الحركة والأسلوب.

وفي واقع الحياة الاجتماعية، بكلّ ما فيها من خلافاتٍ ومنازعاتٍ في معركة القوّة والضعف، والخير والشر، والعدل والظلم، والحقّ والباطل، ينطلق الإسلام ليشرّع لها التشريعات التي تركز الحياة على قاعدةٍ متينةٍ لا مجال فيها للسلبيات، باعتبار أنَّ حركة الدعوة تنطلق في الأساس من موقع القوّة العادلة الحكيمة التي تضع الميزان الذي يحكم بين النّاس بالقسط في ساحة القضاء، وفي حركة المجتمع، وفي مجالات السلم والحرب.

قد يعتقد البعض بأنَّ الأساس في دعوة الأنبياء، هو أن تعطي الحياة روحيةً حالمةً تحلم بالحبّ والصفاء والسَّلام في أجواء مثالية تعيش في إطار الوصايا الهادئة والنصائح الخجولة والحِكَم الوقورة التي يُحلِّق معها الإنسان بجناحين من الصوفية الغارقة في أمواج الضباب، ولكنَّها في الحقيقة تمثّل القوّة التي تتعامل مع الواقع بحكمة فهمها الموضوعي له، وتواجه مشاكله بصبرٍ في وعيها المنفتح على طبيعته، وتنطلق في إصلاحه من خطّةٍ شاملةٍ لا تحبس الإنسان في القمقم، ولا تطلقه في الخيال، ولا تنعزل به في جانب محدود من جوانب حياته، إنَّما تتحرّك به في كلّ المؤثرات التي تخضع لها حياته، وبذلك يتحقّق لها هدف تحطيم الأغلال التي كانت عليهم.

حركية الرسالة بين خطّي الدعوة والعمل:

أ ـ الرسالة في خطّ الدعوة:

ومن هذا المنطلق تتحرّك الرسالة في شخصية الرسول وخطواته في اتجاهين يخضعان لطبيعة الحركة ونوعية المرحلة، ففي حركة الرسالة في خطّ الدعوة، تتحرّك الخطوات هادئةً لينةً يختزن الحنان والمحبة في الكلمة والأسلوب، حيث يختلط في هذا الجوّ الفكر بالعاطفة ويمتزج الإيمان بالشعور.

ويواجه الإنسان الرسالي من موقع الصبر الذي ينطلق من خطّةٍ للثبات من أجل التقدّم، لا الاستسلام لشتى صنوف الاضطهاد والعذاب والمعاناة، لأنَّ قضية الانفتاح على اللّه وعلى الحقّ المنطلق من وحيه، وطبيعة التحرّك من غياهب الظلمات إلى مشارق النور، تحتاج إلى جهد كبير، ومرونة عظيمة، باعتبار أنَّ التعامل مع الواقع الداخلي للإنسان لا يتجمَّد عند حدودٍ معينة وقوالب جاهزة، بل يتحرّك مع طبيعة الإنسان المتجددة والمتحرّكة التي تتغيّر أمام عوامل التغيير الذاتية والخارجية. ولهذا يحتاج الإنسان إلى عقلية ذكية ترصد رياح التغيير قبل أن تهبَّ للعمل من أجل مواجهتها بالكلمة والحركة والأسلوب، لتتمكن من تحويل مسارها إلى اتجاهات أخرى في خطّ الإيجابيات بعيداً عن خطّ السلبيات.

وفي هذا الجوّ، رأينا الآيات الكريمة التي تتحدّث عن الصفة الرسالية للنبيّ، مكتفيةً بالتذكير والإنذار والتبشير، بعيداً عن السيطرة والإكراه، ومطلقةً الكلمة الحقّة ليُمارس الإنسان أمامها حرية الإيمان والكفر بعيداً عن الضغوط الخارجية. وترفع شعار {لا إكراه في الدين} (البقرة:256) باعتباره الشعار الذي يعيش في نطاق وضوح الحقّ وتميّزه عن الباطل وتبنّي الرشد في مواجهة الغيّ.

{... إن أنا إلاَّ نذيرٌ وبشير لقوم يؤمنون} (الأعراف:188).

{قل يا أيُّها النّاس قد جاءكم الحقّ من ربِّكم فمن اهتدى فإنَّما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنَّما يضلّ عليها وما أنا عليكم بوكيل * واتَّبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم اللّه وهو خير الحاكمين} (يونس:108ـ109).

{وإن تولَّوا فإنَّما عليك البلاغ} (آل عمران:20).

{إن أنت إلاَّ نذيرٌ * إنَّا أرسلناك بالحقّ بشيراً ونذيراً} (فاطر:23ـ24).

{قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن اتَّبع إلاَّ ما يوحى إليَّ وما أنا إلاَّ نذير مبين} (الأحقاف:9).

{فذكر إنَّما أنت مذكّر * لست عليهم بمصيطر} (الغاشية:22).

{وقل الحقّ من ربِّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (الكهف:29).

{لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ} (البقرة:256).

تؤكِّد هذه الآيات من خلال أساليب الترغيب والترهيب الواردة فيها على الجانب الرسالي المتمثّل بالدعوة إلى اللّه، جاعلةً من الإيمان ـ من حيث هو قناعة وعقيدة ـ المرتكز الأساس لبلوغ عملية الانسجام مع كلمات الرسالة، ولكن من خلال حصول عملية تأمّل وتفكير، حيث لا سيطرة على الداخل ولا إكراه، لأنَّ ذلك بعيد عن مجال الإيمان وحركته في داخل الذات.

ومن خلال ذلك نفهم أسلوب الدعوة في المرحلة الإسلامية الأولى في مكة، حيث كانت تستدعي إيجاد الأجواء الطبيعية الملائمة لدخول الإسلام إلى كلّ قلب من خلال إثارة مفاهيمه في المجتمع بين المؤيدين المؤمنين به، وبين الرافضين له الكافرين به، الأمر الذي أدّى إلى حصول صراع عنيف، بين الأطراف المتنوعة، وأدّى إلى حالات كثيرة من العذاب والاضطهاد والاستشهاد، ما أعطى الأفكار قوّة دفع جديدة نفذت إلى أعماق الحياة، وامتدت دعوة الإسلام حتى وصلت إلى مختلف أنحاء الجزيرة العربية، ما جعل منها الحدث الكبير لدى المجتمع كلّه، وأدّى ذلك إلى انفتاح الوجدان العربي على الإسلام، حتى إذا ارتفعت الحواجز النفسية والمادية التي أقامها المشركون أمامه، بدأ النّاس يدخلون في دين اللّه أفواجاً.

إنَّ الأسلوب الإسلامي في الدعوة استطاع أن يعطي الإنسان الصورة الحيّة للعقيدة في الإطارين الروحي والفكري، ويبعدها عن الدخول في متاهات الخلافات التي تؤجّجها الحروب، حيث انطلقت تلك الفترة لتجسّد الدين الذي يحاربه المشركون، بدلاً من أن تكون الصورة هي صورة الجماعات التي تحاربها جماعات أخرى، ممّا يسبب بضياع الفكرة الأصيلة في الأجواء المحمومة الحادّة كما يحدث في أيّة حرب بين فريقين.. وهذا هو الأسلوب الأمثل في أيّ دعوة هادفة تريد أن تفرض نفسها على الفكر والوجدان قبل أن تخوض الصراع في حركة الحياة الهائجة.

وقد كانت شخصية النبيّ محمَّد (ص) منسجمةً مع هذا الخطّ العريض للأسلوب السلمي للدعوة، حيث عاش الروح المنفتحة على آلام النّاس ومشاكلهم، والمتفهمة من جانب آخر لطبيعة التمرّد المتمثّل في مواقفهم السلبية من الإيمان باللّه الواحد، فعملت على خلق الأجواء النفسية والفكرية التي تفتح لهم النوافذ المغلقة، ليكتشفوا ـ ولو بعد حين ـ النور القادم من وحي اللّه.. وبعبارة أوضح، لـم يتعقّد من اضطهادهم له ولـم يحقد عليهم ولـم يتراجع عن خطّه قيد شعرة، بل ازداد قوّة وعزيمةً وإقداماً على مواصلة الرسالة من خلال الروح النابضة بالمحبة للنّاس التي تلتقي مع إخلاصه لرسالته.. وهذا هو ما نتمثّله في هاتين الآيتين الكريمتين:

{فبما رحمةٍ من اللّه لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضُّوا من حولك.. } (آل عمران:159).

{لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} (التوبة:128).

وقد يكون من بديهيات أيّة حركة رسالية أن يعيش القائمون عليها والداعون إليها روحية فكرها وأسلوبها، لأنَّ ذلك هو السبيل الأقوم لانسجام خطواتها العملية مع خطوطها الروحية والفكرية، والطريقة الفضلى لإعطاء الصورة الحيّة من خلال الرّجل ـ الرسالة في أفكاره وأعماله.. إنَّ ذلك هو الذي يجعل البطل يتحرّك في ساحة الصراع من موقع البطولة.. ولا يترك المجال للممثّلين الذين يأخذون لأنفسهم دور البطولة دون أن يعيشوه. تلك هي حركة الرسالة في خطّ الدعوة.

ب ـ الرسالة في خطّ العمل:

أمّا حركتها في خطّ العمل، حيث تنتصب أمامها التحديات والعقبات في المضمون العملي للواقع، ساعتئذ لا مناص من اعتماد أسلوب آخر يستمد خطوطه من قلب الواقع ويستخدم فيه أسلحة الصراع، لأنَّ القضية ـ حينئذٍ ـ ليست قضية فكر جديد يُراد إقناع الآخرين به، بل قضية حياةٍ يُراد حمايتها من عدوان الآخرين، وقضية رسالة يريد الكافرون أن يعطِّلوا دورها في حرية الدعوة وحرية الحركة.. وبالتالي هي قضية الإنسان الذي يتطلّع إلى قوّةٍ مؤمنةٍ تحميه من ظلم أخيه الإنسان، وتجابه ـ لمصلحته ـ قوى الشر والطغيان.. لأنَّ أيّ فكر لا يملك القوّة لتنفيذه لا يستطيع أن يفسح المجال لنفسه بالحياة مع الأفكار الأخرى التي تحميها القوةّ الطاغية.

وفي هذا الإطار يتحرّك الإسلام في أكثر من اتجاه ليشرِّع القتال كأساسٍ عملي من أسس صنع القوّة في اتجاه تحقيق الأهداف الكبيرة التي يريدها للحياة، وليدفع بالتربية الإسلامية إلى صنع الشخصية المجاهدة التي تعتبر القتال في سبيل اللّه فريضة إسلامية تمارسها بخشوع وإخلاص كما تمارس العبادة، من دون أن تستسلم للانفعالات العاطفية أمام الحالات التي تنتجها عملية القوّة.. وبذلك تتكامل الشخصية الإسلامية في لقاءٍ حميم بين أسلوب الدعوة وأسلوب الدولة، على أساس تحقيق رضا اللّه، في الإيمان على أساس القناعة، وفي الالتزام على أساس الإيمان المرتكز على القوّة.. وفي هذا الإطار، يتحرّك الإنسان المسلم في شعور الرحمة الذي يطبع علاقاته بالمؤمنين، وفي ممارسة الشدّة التي تحكم مواجهته لطغيـان الكافرين.. وهذا هو ما عبَّـر عنه اللّه في حديثه عن النبيّ والمسلمين.. {محمَّد رسول اللّه والذين معه أشدَّاء على الكفّار رحماء بينهم تراهم ركّعاً سجداً يبتغون فضلاً من اللّه ورضواناً} (الفتح:29).. ولعلّ في الفقرة الأخيرة إيحاءاً بالتقاء الصفتين على أساس القاعدة الإسلامية التي تحكم مشاعر الإنسان المسلم وتصرفاته.

اتجاهات سلبية:

وعلى ضوء ذلك، نفهم خلفيات أسلوب النبيّ (ص)، سواء في حركته مع المسلمين أو مع تلك الوفود التي قدمت لمحاورته، وكذلك في ما يتعلّق بأسلوبه في مرحلة الجهاد، حيث نجد في حياته شخصية رجل الدعوة منسجمةً مع شخصية رجل الدولة، باعتبار أنَّ الدعوة خطوةٌ منفتحة على الحياة والإنسان في الطريق إلى الدولة.. وبتعبير آخر، لا توجد شخصيتان مزدوجتان، بل شخصية واحدة تتوزَّع فيها الجوانب حسب حاجة الفكرة التي ترتكز عليها الشخصية في ملامحها الأصيلة.

إنَّنا نريد إثارة هذا اللون من الحديث لنصل من خلاله إلى نقطتين:

الأولى: حيث يوجد اتجاه منحرف يفرض نفسه على التصوّر الإسلامي في واقعنا المعاصر.. وهو الاتجاه الذي يريد أن يطلق شخصية النبيّ محمَّد (ص) في الأجواء الحميمة التي تمثّل الوداعة والتسامح والرفق بعيداً عن أيّة صورة تلتقي بالقوّة والعنف وفرض الحقّ على الآخرين، ليصلوا من خلال ذلك إلى استبعاد قضية الحكم في أساليبه الواقعية المرتكزة على القوّة المسؤولة الحكيمة، والإيحاء بأنَّ الدين يمثِّل مجموعةً من الوصايا والنصائح التي تخلق الشخصية الوديعة الساحرة في إطار روحي حميم، فلا هي تفرض نفسها على الآخرين من خلال الفكرة، ولا تفرض الفكرة على الحياة من خلال العنف، بل تترك للآخرين أن يفعلوا أو أن لا يفعلوا، باعتبار أنَّ هذه القضية هي شأنٌ ذاتي. ويستشهدون على صحة ذلك من خلال ما يرونه عند الرسول (ص) حسب زعمهم: »إنَّما بعثت هادياً لا قاضياً«. ومن الطبيعي أن تتحرّك خطوات الهادي في طريق الأساليب الحميمة والكلمات الرحيمة، بينما تنطلق خطوات القاضي في طريق القانون الحازم الحاسم الحاكم.

وقد يستشهدون على ذلك بالآيات التي تنفي الإكراه في الدين، والآيات التي تطلب من النبيّ أن يقول الحقّ، وتتبع ذلك بقوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (الكهف:29) وبالآية الكريمة: {وما أرسلناك إلاَّ رحمةً للعالمين} (الأنبياء:107)

إنَّ هذا الاتجاه يستمدُّ حركيته من وحي التفكير المسيحي الذي يحاول أن يصوّر النبيّ بالصورة المثالية التي تبتعد عن العنف، وتكتفي أن تعيش في أجواء القداسة الحالمة الغارقة في أجواء الضباب الأخلاقي المثالي.. ولكنَّنا ـ في ما قدّمناه من حديث ـ نستطيع أن نخرج بالنتيجة الحاسمة التي تضع تلك الآيات في إطار الدعوة.. وتفسح المجال ـ بعد ذلك ـ لآيات القتال والجهاد والحكم بالعدل ومواجهة الانحراف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومفاهيم العزّة والكرامة والقوّة.. لتتحرّك في مجال صنع الفكرة في خطوات الحياة بعد أن تقوم بتحريكها في مجال الفكر.. وقد يكون من الإخلاص للخطّ الإسلامي أن نشك أو نرفض الحديث المذكور بعد أن كان مخالفاً لكتاب اللّه الذي يخاطب النبيّ بقوله له: {إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ لتحكم بين النّاس بما أراك اللّه ولا تكن للخائنين خصيماً..} (النّساء:105) ومخالفاً لسنّة رسول اللّه الثابتة في قوله: «إنَّما أقضي بينكم بالأيمان والبيّنات»، ومنافياً لسيرته في الجهاد الذي يفرض من خلاله سيادة الإسلام على الأرض، وفي تطبيق القانون على المنحرفين المجرمين من السارقين والزناة وغيرهم.

أمّا مفهوم الرحمة في الإسلام، فإنَّه لا يعيش في المشاعر العاطفية الذاتية الحميمة التي تلتقي بالمأساة في حياة الأفراد، بل يعيش في النظرة الواقعية التي تتمثّل في حماية الإنسان من نفسه عندما تريد أن تنحرف، وحماية غيره من نفسه عندما يريد أن يسيء إلى غيره، وحماية الحياة من طغيان الإنسان على الحياة.. وبذلك تبتعد الرحمة عن خلجات الشعور لتتحرّك في صعيد الواقع لتحلّ المشكلة في جذورها العميقة.

والثانية: تتمثّل في الاتجاه الذي يتحرّك في إطار الواقع ليصنع الشخصية الإسلامية، لا سيّما شخصية الدعاة إلى اللّه على أساس المفاهيم السلبية التي تواجه الحياة من منطق الضعف وعدم الولوج في مشاكلها الصعبة، باعتبار أنَّ ذلك يشوّه الصورة الوديعة البريئة لعلماء الدين والمتسامية عن الخلافات والمشاحنات.

لأنَّ مواجهة المشاكل بالإيجابية الحاسمة التي تضع النقاط على الحروف في حركة الواقع قد تدفعهم للدخول في صدامٍ وصراعٍ مع الآخرين، ما يجعلهم طرفاً في المشكلة، فيخرجون بذلك عن الحياد الطبيعي الذي يحكم شخصيتهم ويبتعد عن الجوّ الروحي الذي تفرضه طبيعتهم الدينية. ولعلّ هذا الأمر الذي جعل هذه الطريقة في السلوك ذات قيمة تتمثّل في تقديس الإنسان السلبي الذي يبتعد عن الدخول في المشاكل العملية، وينصرف إلى عباداته ومواعظه الهادئة البعيدة عن الواقع، باعتبار أنَّ ذلك يزيد في روحيته ومحبّة النّاس له، ويبعده بالتالي عن الوقوف في وجه ضلالاتهم وانحرافاتهم، فلا يشعرون بخوفٍ على شهواتهم وأطماعهم وامتيازاتهم من خلال وجوده، لأنَّه لا يتحرّك في هذا الاتجاه، وقد لا يجدون مانعاً من الاستماع إلى بعض المواعظ القاسية أو التعليقات الشديدة، ما لـم تخرج من نطاق الكلمات وتتحوّل إلى خطواتٍ عمليةٍ على طريق الواقع.

إنَّ هذا الاتجاه قد بدأ يفرض نفسه على التقييم وعلى الشخصية الإسلامية، ونحن نريد من خلال دراستنا للشخصية النبويّة المتمثّلة في شخصية النبيّ محمَّد (ص)، أن نأخذ منها الفكرة المستقيمة والمفهوم الصحيح الذي يرى في الإيجابية التي تواجه الحياة بقوّة وحكمة، قيمة كبيرة من القيم الإسلامية التي تتميّز بها الشخصية المنسجمة مع الخطّ الصحيح عن تلك الشخصية البعيدة عنه، كما أنَّنا نريد للتربية العملية للشخصية الإسلامية الدينية التي تحمل عبء العمل في سبيل اللّه على أكتافها، أن تجعل من سيرة النبيّ العملية القدوة ومِثال الشخصية المتكاملة التي تتعامل مع الواقع من خلال الحاجات العملية لقضاياه ومشاكله.. وأحسب أنَّ ذلك هو الذي يخلّصنا من أساليب تجميد شخصية علماء الدين في إطار تهرب منه الصور الحيّة في الحياة.

الملامح العامّة للشخصية النبويّة:

لقد تحدّث القرآن الكريـم عن الملامح العامّة لشخصية النبيّ (ص)، ولكنَّه لـم يتحدّث عن سيرته الذاتية، خاصةً تلك التي تتعلّق بمولده ونوازعه الذاتية وغير ذلك من الملامح الشخصية التي لا تأثير لها في حياة النّاس، لأنَّ السيرة الذاتية ليس لها أيّ قيمة عملية في حساب الرسالة، إلاَّ بقدر ما ترتبط بالرسالة ذاتها ممّا يحقّق لها عطاءً وغنىً وحركةً.. بل ربَّما نفهم من خلال بعض الآيات الكريمة، أنَّ عظمة الرسول تكمن في تجسيده الحي للإسلام، لكي لا نتوقف عند حياته في الدنيا ونتجمّد أمامها ونخشع لها، فإذا مات وانتقل إلى ربِّه ماتت الرسالة في حياتنا، باعتبار أنَّ الارتباط بها تابعٌ للارتباط به، فلا وجود للرسالة في حال غيابه عن الدنيا.. بل لتجعل من حياته البداية والمنطلق والمرآة الصافية التي ننطلق لنراها بكلّ صفائها ونقائها، لما تمثّله شخصيته من رسالية المضمون والممارسة، فإذا غاب عنّا فإنَّ رسالته المتجسدة في آيات اللّه وكلماته وسيرته باقية لدينا، لنتابع مسيرتنا على هداها انطلاقاً من الفكرة التي تجعل ارتباطنا به تابعاً للارتباط بالرسالة، باعتباره التجسيد الحي لها.. كما جاء في قوله تعالى: {وما محمَّدٌ إلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} (آل عمران:144).

وتتَّضح هذه الصورة بشكل كبير في الآية الكريمة التي توحي لنا بأنَّ علاقتنا برسول اللّه ترتكز على أساس صفته الرسالية وقيمته كخاتـمٍ للنبيّين، بعيداً عن أيّة صفة أخرى أو علاقة ثانية.. وذلك هو قوله تعالى: {ما كان محمَّدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول اللّه وخاتـم النبيّين} (الأحزاب:40).

أمّا عن الملامح الأصيلة لشخصيته ومدى علاقتها بالخطّ العملي للرسالة، فنرى أنَّ القرآن الكريم قد تحدّث عن خلقه العظيم وعن أسلوبه في الحوار ومشاعره تجاه الآخرين كما في الآيات: {وإنَّك لعلى خلق عظيم} (القلم:4).

{لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} (التوبة:128).

{فبما رحمة من اللّه لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} (آل عمران:159).

{فآمنوا باللّه ورسوله النبيّ الأميّ الذي يؤمن باللّه وكلماته واتّبعوه لعلّكم تهتدون} (الأعراف:58).

تتحدّث الآية الأولى عن خلقه العظيم بصورة عامّة، لتوحي لنا أنَّ الشخصية الرسالية لا بُدَّ لها من أن تتسامى بخلقها في علاقتها بالآخرين، لأنَّ الخلق يمثّل سموّ الرسالة وواقعيتها في الإنسان، وسموّ الإنسان في الرسالة، باعتبار أنَّ الرسالة تمثّل الخطّ الأخلاقي العظيم في حركة الإنسان في الحياة، ما يجعل من تحرّك الإنسان في دعوته منطلق قوّة لا منطلق ضعفٍ لما يوحيه من ثقةٍ وامتداد واطمئنان.

وفي الآية الثانية نواجه الشخصية الرسالية من خلال الاهتمامات الذاتية بالآخرين في الداخل، حيث يعيش النبيّ بشكل شعوري عميق كلّ المشاكل والآلام والمتاعب التي تواجه النّاس وتجهدهم، فنراه يحرص عليهم، من منطلق إحساسه الداخلي المفعم بالرحمة والرأفة، حرصه على نفسه.

وأمّا الآية الثالثة فإنَّها تتحدّث لنا عن صفتين أساسيتين في نجاح الرسالة:

الأولى: لين الجانب ووداعة الكلمة وسماحتها، لأنَّ الإنسان الذي يعيش قسوة القلب وشدّته لا يمكن أن يعيش الحبّ للآخرين، وبالتالي لا يستطيع التفاعل معهم في عملية صدق ومعاناة.

والثانية: رقَّة القلب ورحمته، لأنَّ الإنسان الذي يعيش فظاظة اللسان ونزق الكلمة وغلظة الأسلوب لا يستطيع أن يدخل إلى وجدان النّاس وضمائرهم.

ونلتقي في الآية الرابعة بالصفة الأساسية في شخصية الرسول، وهي إيمانه باللّه وكلماته حيث تلتقي مع آية أخرى في موضع آخر: {والذي جاء بالصدق وصدّق به} (الزمر:33).. لتؤكّد انطلاقة الدعوة من موقع الإيمان العميق بمفاهيمها، المنطلقة من المسؤولية في الداخل، لا من موقع المسؤولية من خارج الذات.

تلك هي بعض ملامح الصورة التي تفرض علينا السؤال التالي: لماذا ركّز القرآن الكريـم على هذه النوعية من الصفات دون غيرها؟

ربَّما يكون الأساس في ذلك كلّه، هو ما ألمحنا إليه في بداية هذا الفصل من أنَّ القرآن يركّز على شخصية الرسول في شخصية النبيّ محمَّد (ص) ويتحدّث عنه من خلال الصفات المتعلّقة بالدور الرسالي له، لأنَّ ذلك يقتضي أن يتمتع بانفتاح روحي وخلق رفيع وأسلوب حكيم رقيق، ليتمكن من معالجة مشاكل النّاس وهمومهم، وبالتالي من إيصال الدعوة إلى قلوبهم، وباختصار، أن يمتلك ناصية الإيمان، وإيماناً بالرسالة لا يشوبه شك ولا يصيبه اهتزاز، لتكون الرسالة جزءاً من ذاته.. وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في الآية الثالثة: {ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك} (آل عمران:159).

ولكن.. هل هذه هي صفات الرسول التي يريد القرآن أن يوحي بها ليقدّم للنّاس الصورة العظيمة عن شخصيته، أو هي صفات الداعية المسؤول الذي كان النبيّ الأنموذج الأمثل له.. ما يجعلها من صفات القدوة للعاملين في سبيل اللّه؟!

إنَّنا نعتقد أنَّها من صفات القدوة التي تدعو العاملين إلى أن يعيشوها في حياتهم، ليشعروا بأنَّ أخلاقهم ليست شأناً ذاتياً لهم، وأنَّ أساليبهم ليست ممارسات شخصيةً لأنفسهم، وأن ليس من حقّهم أن يعيشوا كما يريدون في كلّ نقاط ضعفهم الأخلاقي، أو أن ينطلقوا مع مزاجهم الذاتي في أساليبهم العملية، كما أنَّه ليس من حقّهم أن يجعلوا النّاس تتعقّد من الرسالة أو يكفروا بها، لأنَّ الرسالة ليست أمراً شخصياً، بل هي أمر اللّه، ولا بُدَّ للنّاس من أن ينسجموا معها، فيخضعوا أخلاقهم وأساليبهم لخطّها الأصيل، أو ينسحبوا من مواقع المسؤولية ليوفِّروا على الإسلام مزيداً من المتاعب والسلبيات التي يواجهها من خلال سوء تصرفات الدعاة إليه.

الرسول (ص) في مواجهة التحدّيات:

إنَّ القرآن يصوّر لنا النبيّ وهو يواجه التحديات في إطار الإنسان الذي تكاد الضغوطات أن تزلزله عن موقفه، أو تقوده إلى التراجع، وذلك نظراً لحراجة الموقف الذي يواجهه، ما يوحي بأنَّ القضية لا تعيش في طبيعته الذاتية، بل في طبيعة التحدّيات التي توحي بشيء من هذا القبيل لولا الإيمان.. ولنتابع بعض هذه الآيات:

{فلعلَّك تاركٌ بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنَّما أنت نذير واللّه على كلّ شيء وكيل} (هود:12).

{قد نعلم إنَّه ليحزنك الذين يقولون فإنَّهم لا يكذبونك ولكنَّ الظالمين بآيات اللّه يجحدون * ولقد كُذِّبت رسلٌ من قبلك فصبروا على ما كُذِّبوا وأوذوا حتى آتاهم نصرنا ولا مبدِّل لكلمات اللّه ولقد جاءك من نبأي المرسلين وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلَّماً في السَّماء فتأتيهم بآية ولو شاء اللّه لجمعهم على الهدى فلا تكوننّ من الجاهلين} (الأنعام:33ـ35).

أ ـ أجواء غير مثيرة:

توحي هذه الآيات أنَّ هناك جوّاً مثيراً يريد الآخرون خلقه في نفس الرسول عبر ما تقدّموا به من طلباتٍ غير معقولة لا قدرة على للجهد البشري على تحقيقها، محاولين بذلك حشد جملة من العوامل السلبية، اعتقاداً منهم بأنَّهم يستطيعون بهذا الأسلوب أن يكشفوا أمام النّاس ضعف النبيّ في دعواه الرسالة عن اللّه، وإضعاف ثقته بقوّة موقفه، لأنَّه يتحرّك في إطار المحدودية التي تجعله غير قادر على مواجهة التحدّيات.

وهنا تأتي الآيات لتضع القضية في مكانها الطبيعي، وهي أنَّ التحدّيات لـم تواجه دوره الطبيعي في خطِّ الرسالة ليشعر بالضعف من خلال ذلك، بل واجهت أموراً ليست من مهمته، فكان من الطبيعي أن لا يستجيب لمطالبهم، لأنَّ ذلك يؤكِّد المفهوم الخاطئ في نفوسهم عن طبيعة ودور الرسول في الحياة. بل كان عليه أن يواجههم ـ من خلال قوّة موقفه ـ بتصحيح هذا المفهوم.

ثُمَّ تتحرّك الآيات لتربط الموقف بنقطة أساسية تخرج من الموقف عن جوِّ التحدّي للذات.. وهي أنَّ الرسول لا يتحرّك بصفته الذاتية، بل بصفته الرسالية التي تعني أنَّه يمثِّل اللّه في دعوته، لأنَّه يدعو إلى اللّه باسم اللّه، وبذلك يكون التكذيب موجَّهاً إلى اللّه، وليس موجهاً إليه، ما يدفع بالقضية بعيداً عن جوّ التأزّم النفسي الخاضع غالباً للمؤثِّرات الذاتية.

ثُمَّ تمتد الآيات في تفريغ الداخل من جوِّ الأزمة بأسلوب آخر.. فإنَّ التكذيب ليس حادثاً طارئاً بل هو حلقة من سلسلةٍ متَّصلة في تاريخ النبوَّات، تنطلق من حقيقة موضوعية، وهي أنَّ النبيّ ـ أيَّ نبيّ ـ ينطلق لتغيير العالـم من الداخل والخارج، من خلال القضاء على المفاهيم الخاطئة والواقع المنحرف كان لا بُدَّ أن يُقابل بالتكذيب، لأنَّه كان يتحدّى الواقع المعاش الذي تتحرّك فيه كلّ امتيازات الطغاة والجبابرة والمنحرفين، في محاولةٍ منه لإلغاء كلّ هذه الامتيازات لمصلحة الإنسان، وقد كان الأنبياء يصبرون على ذلك كلّه، لا من موقع التماسك الذاتي فحسب، بل على أساس الفهم الواعي للواقع الذي يقرر بأنَّ عملية التغيير لا بُدَّ أن تمر بمراحل طويلة، يدور فيها الصراع حول العقيدة والمفاهيم والمواقف، ما يجعل المجتمع يتحرّك في اتجاه رفضها أو تأييدها في المرحلة التي تسبق مرحلة الاستقرار في أعماق الحياة الإنسانية.

ثُمَّ تؤكّد هذه الآيات له أنَّ هذا الموقف الطبيعي للنبوَّة السائرة ـ بقوّةٍ ـ نحو أهدافها يكون بالثبات الهادف في مواجهة التحدّيات، فلا يستمدُّ النبيّ قوّة موقفه من تجاوب الآخرين معه، بل ينطلق من ثقته بربِّه وبنفسه في خطواته العملية نحو المستقبل.. أمّا إذا أراد التراجع عن موقفه، والعيش في إطار الضيق الذاتي، والانسحاق النفسي، فإنَّه لن يقوى على مواجهة التحدّيات، الأمر الذي سيجعله عاجزاً عن تحقيق أيِّ شيء ممّا يطلبون.

ثُمَّ تركّز الآية على نقطة مهمة جداً، وهي إثارة التساؤل عن الهدف من كلّ هذا الجهد الذي يريد أن يصل من خلاله إلى هدايتهم بشكل غير طبيعي، وذلك بالتجاوب معهم في ما يريدونه من تغيير الواقع بطريقة معجزة. فإذا كان الهدف هو هدايتهم بطريقة غير عادية فلا حاجة إلى ذلك، لأنَّه بإمكان اللّه أن يهديهم بطريقة تكوينية فيجعلهم مهتدين.. ولكنَّ حكمته انطلقت على أساس إيمانهم بطرق طبيعية من خلال القناعة الذاتية في ظروفها الموضوعية الطبيعية.

ب ـ ضغوطات نفسية:

وقد نلتقي في آيات مماثلة في تصويرها للجوّ النفسي الذي يمرّ به الداعية متجسداً في شخصية الرسول عندما يتعرّض للأساليب العاطفية التي تحاول أن تنحو به بعيداً عن خطّ الرسالة من أجل أن يربح ثقة النّاس عندما يريدون أن ينقلوه من موقعٍ إلى موقع، للإيحاء له بأنَّ ذلك يجعلهم قريبين إليه، وبالتالي إلى دعوته، ليأخذوا منه الاعتراف الرسمي بما يريدون ثُمَّ يتركونه بعد أن يستنزفوه ويستنفدوه.. وهذا ما نتمثّله في هذه الآيات الكريمة: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً * ولولا أن ثبَّتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً * إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثُمَّ لا تجد لك علينا نصيراً * وإن كادوا ليستنفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذاً لا يلبثون خلافك إلاَّ قليلاً} (الإسراء:73ـ76).

إنَّ جوَّ الآيات يوحي بأنَّ هناك أساليب خبيثة قد استعملت من قبل الكافرين لزحزحة الرسول عن موقفه وفتنته عن رسالته من أجل أن يخرج على خطِّها ومفاهيمها الأساسية، لمصلحة خطّ الكفر الذي يُراد منه أن يقدّمه للنّاس باسم الإيـمان.. ولعلّ في التعبير بـ »ليفتنونك« إيحاءً ببراعة الأساليب ومرونتها، بحيث لا تستثير لديه روح الحذر، بل تنساب في مشاعره انسياباً عفوياً يواجه النوازع الحميمة بهدوء وانسجام، ليتحوّل ـ لا شعورياً ـ عن خطّ مبادئه المثلى.

أمّا السؤال الآن فهو: هل كانت الحالة النفسية للنبيّ هي ما تواجهنا به الآية لتكون النتيجة هي أنَّ النبيّ قد يستسلم للتأثيرات المتنوِّعة والأساليب الذكية التي لجأ الأعداء إلى استخدامها، لولا أنَّ اللّه يثَّبته على الخطِّ بالروح القدسية التي تستيقظ في أيّة حالةٍ من حالات الغفلة فينتبه إلى طبيعة الموقف من خلال النتائج التي يقود إليها؟! أو أنَّ القضية هي اعتبار شخصية النبيّ أنموذجا حيّاً للداعية المسلم الذي قد يتعرّض لمثل هذه الأساليب فينجذب إليها انجذاباً عفوياً تماماً كاختلاجات أعضاء الجسد لدى حدوث بعض الأسباب الموجبة لذلك، فكان لذلك قيمة التأكيد على أهمية الثبات على الخطّ، والوعي النفّاذ إلى الوسائل الجهنمية التي يحاول الأعداء من خلالها إبعاد العاملين عن أهدافهم؟!

وفي كلا الحالين نعرف أنَّ النبيّ قد تعرّض لمثل هذه الأساليب، وقد نبّه القرآن إلى خطورتها من خلال التنبيه إلى خطورة نتائجها في حساب المسؤولية بالمستوى الكبير، وأثار أمام الداعية الفكرة الواعية التي تدفعه إلى الابتعاد عن أجواء الخديعة التي يثيرها الكافرون من خلال عروض الصداقة في حالات الانسجام.. وربَّما كان الواقع الذي نعيشه يتضمن كثيراً من هذه الأجواء التي تقرّب من هذا الجوّ الخطر، سواء على مستوى التيار المنحرف في العقيدة والحياة، أو على مستوى الحكم المنحرف أو غير ذلك ممّا يواجهه الإنسان على صعيد العمل الرسالي.

وإنَّنا نرى في هذا الأسلوب نموذجاً من أساليب القرآن الكريـم لمخاطبة الأمّة من خلال النبيّ محمَّد (ص)، لأنَّنا نعرف في شخصيته الرسالية القوّة القيادية التي لا يمكن أن تهتز أمام كلّ عوامل الخديعة والانحراف.. ولعلّ المراد بتثبيت اللّه في هذه المواقف، هو ما ارتكزت عليه شخصيته من عوامل القوّة والإيمان، وليس شيئاً طارئاً أو عارضاً عليه.

وقد حدّثنا القرآن الكريـم عن بعض الحالات النفسية التي كان يعيشها النبـيّ محمَّـد (ص) إزاء حالات الكفران والجحود، ولكن في اتجاهٍ آخر غير الذي أشرنا إليه.. وهو أنَّه كان يتطلّع إلى الكافرين بروح الإنسان الذي يتألـم لهم ويحزن عليهم، لأنَّ كفرهم وطغيانهم سوف يشقيهم في حياتهم الدنيا عندما ينحرفون عن الخطّ المستقيم، فيبتعدون عمّا يهيئ لهم السعادة فيها، ويشقيهم في الآخرة عندما يؤدي بهم انحرافهم عن اللّه إلى التعرّض لعذابه. وبتعبير آخر، إنَّه لا يعتبر الرسالة تكليفاً صادراً من خارج ذاته، بل يعتبرها قضيته الذاتية التي امتزجت بإنسانيته، فيتحرّك من موقع الإحساس بها من الداخل لا من موقع الخروج عن عهدتها على أساس المسؤولية القانونية.

{أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسناً فإنَّ اللّه يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إنَّ اللّه عليم بما يصنعون} (فاطر:8).

{لعلّك باخعٌ نفسك ألاّ يكونوا مؤمنين} (الشعراء:3).

{ولا تحزن عليهم ولا تكُ في ضيق ممّا يمكرون} (النحل:127).

ولعلّنا نستطيع أن نستوحي من هذه الآيات روحاً جديدة ينبغي للعاملين في سبيل اللّه أن يعيشوها إزاء النّاس، وهي الروح التي تتعاطف معهم وتحزن عليهم وتحسّ بالألـم الكبير لضلالهم، الأمر الذي يدفعها إلى أن تصبر وتثابر وتلاحق كلّ الوسائل والظروف في سبيل هدايتهم والوصول إلى قناعتهم، تماماً كأيّة مشكلة تحصل لإنسان نرتبط به برباط القربى أو غيرها من الروابط الذاتية، حيث لا ندَّخر وسعاً في ملاحقة كلّ الإمكانيات للحلّ ولو كانت بعيدة أو متعبة.

إنَّها روحُ الرساليي



07/05/2006
0 Poster un commentaire

A découvrir aussi


Inscrivez-vous au blog

Soyez prévenu par email des prochaines mises à jour

Rejoignez les 2 autres membres