الصوم بين الجسد و الروح

الصوم بين الجسد و الروح
تــعــر فـــه

تعريف شامل يمكن اعتماده في هذا المقام، إذ الصوم منطقيا حسب هذا التعريف هو الإمساك عن كل الشهوات الجسدية. وفي ذلك أكثر من حكمة ربَّانية أهمّها في نظري اكتشالصوم هو الإمساك. وفي التعريف الإسلامي هو الامتناع عن شهوتي البطن والفرج. وهو اف الإنسان لما يمكن أن نسميه "جسَدِيَّةَ الجسد" أي هويته المادية المرتبطة بالمأكل والمشرب والجنس، أي اكتشاف كم أن مشاعر السلام والفرح والراحة مرتبطة بتلبية هذه الرغائب المادية. وفي ذلك للمتأمل ما فيه مِنْ إِرْبَاكٍ لإنسانية الإنسان الذي لا يفتأ يفتخر ويؤكد على تميزه عن الحيوان.

بهذا المعنى يضع الصوم الإنسان وجها لوجه أمام هويتَه الحيوانية في وقوفه بالملموس أمام عبوديته للمأكل والمشرب والشهوات.و بموازاة مع هذا الاكتشاف يطل على بعد هام من أبعاده المنسية هو البعد الروحاني، ويكتشف وجود مصادر أخرى للسلام والفرح والراحة مختلفة تمام الاختلاف عن المصادر المادية الآنفة الذكر.

وإذا كان الإسلام حدد موعدا للصوم هو شهر رمضان من كل عام وحدد وقت الإمساك من طلوع الشمس إلى غروب الشمس، فإن الكثير من الزهاد المسلمين ذهبوا أبعد من ذلك حيث نذروا أغلب أيام حياتهم للصوم. مثلهم في ذلك مثل الكثير من الزهاد المسيحيين كالقديس أنطوني الذي كان يكتفي لفترات طويلة بالعيش على قليل من الخبز والماء. وهو نظام غذائي صارم يذكرنا بالنظام الصارم الذي فرضه الحلاج على نفسه لفترة طويلة فعن أبي يعقوب النهرجوري قال:

"دخل الحلاج مكة أول دخلة وجلس في صحن المسجد لم يبرح من موضعه إلا للطهارة والطواف ولم يحترز من الشمس ولا من المطر. وكان يحمل إليه في كل عشية كوز ماء وقرص من أقراص مكة، وكان عند الصباح يُرى القرص على رأس الكوز وقد عض منه ثلاث عضات أو أربعاً. فيحمل من عنده" (أخبار الحلاج لماسينيون)

إلا أن أعظم نموذج رباني للصوم على الإطلاق يظل نموذج السيد المسيح-سلامه علينا- الذي نقرأ في الإنجيل الشريف أنه صام أربعين نهارا وأربعين ليلة، ثم إذ "جاع قال له المجرب إن كنت ابن الله فقل لهذه الحجارة أن تتحول إلى خبز!، فأجابه قائلا: قد كتب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (متى 4: 2-3)
و هذا هو التجلي الأمثل والملموس لحكمة الصوم. ذلك أن كل من مارس الصوم بحقٍّ يدرك مغزى وعمق كلمات السيد المسيح عن الحياة بكل كلمة تخرج من فم الله, لأن هذه الحياة التي تكلم عنها السيد المسيح ليست سوى الهوية الروحانية التي تظل عادة مطمورة تحت ركام الرغبات المادية اللامحدودة. وهو المعنى الذي رمى أيضا إليه حين أجاب تلاميذه الحواريين:
"عندي طعام آكله لا تعرفونه أنتم" (يوحنا 4: 32)

وهو كذلك المعنى الذي أكده بولس الرسول بصورة غير مباشرة حين حذر مؤمني فيلبِّي من الذين " مصيرهم الهلاك، وإلههم بطونهم، ومفخرتهم في عيبتهم. وفكرهم منصرف إلى الأمور الأرضية. أما نحن فإن وطننا في السماوات" (التأكيد لكاتب المقال) (فيلبِّي 3: 18-20)

لذلك فالصيام ليس فقط امتناعا عن المفطرات كما يفهمه البعض بل هو عبادة عظيمة تنقي النفس من الترهل الروحي الذي يصيبها, و تحرر الإنسان من الآفات والأمراض والعاهات المادية والمعنوية, و تكسبه لياقة روحية عالية ما أحوج كل مؤمن إليها. و ذلك ليس فقط خلال شهر رمضان, لكن أيضا خلال ما قد يتيسر له من أوقات يختارها خلال السنة, لتكون له بمثابة محطات يجدد فيها طاقاته الروحية المهددة بالنضوب و الضمور في كل وقت.

-------------------
 


09/05/2006
0 Poster un commentaire

A découvrir aussi


Inscrivez-vous au blog

Soyez prévenu par email des prochaines mises à jour

Rejoignez les 2 autres membres